Text Size
Wednesday, January 17, 2018

(السنكسار بحسب الكنيسة المارونية (تموز

synaxarium

 

شهر تموز

أيام هذا الشهر 31 يوماً، ساعات نهاره 14ساعة وساعات ليله 10ساعات.

اليوم الاول

تذكار البابا غريغوريوس العاشر

ولد هذا القديس العظيم في مدينة بلازنسا بايطاليا، من اسرة فيسكوتني، ومنذ صبائه عكف على الفضيلة واقتباس العلوم وامتاز بدرس القوانين البيعية. تعين كاتبَ اسرارِ سفيرٍ البابا في باريس ثم قانونياً في ليون فرئيس شمامسة في لياج. وعرضت عليه اسقفية بلازنس، فلم يقبلها.

وكان القديس لويس التاسع ملك فرنسا يجله كثيراً. واستصحبه معه الى فلسطين لما أتاها لانقاذ الاراضي المقدسة. فقضى مدة هناك، ساعياً في خلاص النفوس والقاء المحبة والسلام في صوفوف الصليبيين. ولما توفي البابا اكليمنضوس الرابع، انتخبوه بابا وهو في عكا.

ثم بلغ روما وتسنم السدة البطرسية باسم غريغوريوس العاشر. ومن اشهر فضائله وداعته وتواضعه وحبه للفقراء والمعوزين. وأقوى دليل على غيرته الرسولية، سعيه الجدي المتواصل في ازالة الانشقاق بين الكنيسة الرومانية والكنيسة اليونانية القسطنطينية واهتداء شعوب الصين والتتر الى الدين المسيحي. فعقد في سنة 1274 مجمعاً مسكونياً في ليون اصدر فيه منشوراً في الثالوث الاقدس والمعتقد الكاثوليكي. وبعد التداول والنظر في اصلاح بعض الشؤون المختَلّة، وقف نائبُ الملك وحَلَفَ وجَحَد تعليم الهراطقة وقبل ايمان الكنيسة الرومانية.

عندئذ وقف البابا وترنم بتسبحة الشكر لله، وتلا قانون الايمان باللاتينية وتلاه البطريرك جرمانوس باليونانية. ثم تلوا جميعاً عبارة الايمان هذه "المنبثق من الآب والآبن". وقد وضع المجمع قوانين صارمة لانتخاب البابا واصلاح الاكليروس، حاضاً على مساعدة الصليبيين بفلسطين.

وهكذا زال الانشقاق الوخيم واتحدت الكنيسة اليونانية مع الكنيسة الرومانية، معترفة بالايمان الكاثوليكي، دون قيد وشرط. وتم الفرح في الغرب والشرق وصارت الرعية واحدة لراع واحد هو البابا الروماني. وعاد البابا الى روما.

واستمر عاملاً على تنفيذ قوانين المجمع، مواصلاً جهاده الحسن في ادارة الكنيسة الى ان اعتراه المرض فرقد بالرب في 10ك1 سنة 1276. واجرى الله على يده آيات باهرة. صلاته معنا. آمين!

           

اليوم الثاني

تذكار زيارة سيدتنا مريم العذراء للقديسة اليصابات

قال لوقا البشير في الفصل الاول عدد 39: ان مريم انطلقت مسرعة الى الجبل، تزور نسيبتها اليصابات التي كانت حاملاً بيوحنا المعمدان. فدخلت مريم بيت زكريا، وما كادت تسلم على اليصابات، حتى تحرك الجنين في بطنها وامتلأت من الروح القدس، فعرفت بسر التجسد الالهي. فصاحت مباركة انت في النساء ومبارك ثمرة بطنك، فمِن اين لي ان تأتي اليّ ام ربي! ويظهر ان يوحنا شعر بزيارة يسوع سيده، فتحرك فرحاً به في بطن امه، وتطهَّر من الخطيئة الاصلية.

وقالت اليصابات لمريم: طوبى لك، لانك آمنتِ بما قيل لك من قِبَل الرب، اي ان مريم عرفت وآمنت ببشارة الملاك نسيبتها اليصابات.

وترنمت مريم بتلك التسبحة العظيمة:" تعظم نفسي للرب وتبتهج روحي بالله مخلصي، لانه نظر الى حقارة امته، فها منذ الآن تغبطني جميع الاجيال، لان القدير صنع بي عظائم" (لوقا 46:1...) وبقيت مريم في بيت زكريا ثلاثة أشهر. ففاضت البركات والنعم على ذلك البيت. رزقنا الله بركة هذه الزيارة. آمين.

                 

اليوم الثالث

تذكار القديس ايرونيموس

ولد ايرونيموس سنة 340 في مدينة سيريدو من اسرة تقية غنية. وبعد ان اكمل دروسه الابتدائية في وطنه ارسله ابوه الى روما، ليكمل ثقافته على اشهر اساتذتها، فبرع في الفصاحة والبيان واولع بكتابات علماء اليونان والرومان بعد ان اتقن اللغتين اليونانية واللاتينية، واستهوته خطب شيشرون واشعار فيرجيل. واستسلم لاهواء الشباب، لِما كان يراه في روما من الملاهي والمغريات، لكنه رجع الى نفسه، ذاكراً تربيته الاولى المسيحية.

وانكب على درس الكتب المقدسة. واخذ يتردد الى مدافن الشهداء، معجباً بإقدامهم على إراقة دمائهم لاجل ايمانهم.

ثم زهد في الدنيا وذهب الى برية تريفا، حيث انصرف للعبادة ودرس اللاهوت ثم عاد الى وطنه واقام سبع سنوات في اكيلة، ملازماً العبادة والمطالعة والكتابة. ولاسباب عائلية هجر وطنه وقصد الى الشرق، ماراً ببلاد اليونان وآسيا، ووصل الى انطاكية.

ثم انحاز الى برية" خلقيس" شرقي انطاكية، منعكفاً على مطالعة الكتاب المقدس وممارسة التأمل والصلاة والتقشفات. وبعد خمس سنوات، عاد الى انطاكية. فألح عليه البطريك بولينس بقبول درجة الكهنوت، فقبلها، مشترطاً ان يبقى حراً، متفرغاً للدرس وللكتابة.

ثم مضى الى القسطنطينية حيث اخذ عن القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، اسمى التعاليم اللاهوتية وحضر المجمع المسكوني الثاني والقسطنطيني الاول سنة 381 ضد مكدونيوس عدو الروح القدس. فلمع في ذلك المجمع الذي كان مسجِّلاً فيه. وكان قد اتقن ما عدا اللغتين اليونانية واللاتينية، العبرانية والكلدانية وبرع فيهما بغية اكتناه معاني الاسفار المقدسة.

فاستدعاه البابا  داماسيوس واقامه كاتباً له وعهد اليه توحيد تراجم الكتاب المقدس اللاتينية ووضع ترجمة واحدة اساسية يعول عليها. فباشر بعمله هذا الخطير الذي كرس له حياته. وفوق ذلك كان يتعاطى الوعظ ويرشد النفوس في طريق الخلاص. وبعد وفاة البابا داماسيوس سنة 384، توجهت الانظار الى انتخاب ايرونيموس خلفاً له.

ولكنه حمل مكتبته الضخمة وسار مع اخيه وبعض الرهبان الى فلسطين. حيث استوطن نهائياً بيت لحم. واقام في دير للرجال، صارفاً اوقاته بالصلوات والتقشفات الصارمة، منعكفاً على التآليف والبحث عن الاماكن المقدسة وعما تنصه الكتب عنها. وهناك أكمل ترجمة الكتاب المقدس الى اللاتينية. وهي الترجمة التي اعتمدتها الكنيسة المقدسة واقرها المجمع التريدتنيني، وتدعى بالفولغاتا " اي العامية".

ولم يكن لينفك عن مقاومة المبتدعين والدفاع عن المعتقد الكاثوليكي القويم بلسانه وقلمه، واضعاً التآليف القيمة التي اغنى بها الكنيسة. واصبح من كبار علمائها. وبعد ذلك الجهاد المجيد رقد بالرب في 30 أيلول سنة 420 عن ثمانين عاماً. ونقلت رفاته الثمينة الى كنيسة مريم الكبرى في روما، حيث لم تزل ينبوع نعم وبركات. صلاته معنا. آمين!

اليوم الرابع

تذكار القديس اندراوس رئيس اساقفة كريت

ولد هذا القديس في دمشق في أوائل القرن السابع من أسرة تقية. نشأ على حب الفضيلة ومخافة الله وتثقف بالعلوم والآداب المسيحية. ثم سافر الى اورشليم ولازم بطريركها تاودوروس، فرقاه الى الدرجات الاكليريكية الصغرى وعينه خادماً في كنيسته وكاتباً خاصاً له. فقام بواجباته احسن قيام.

ولما عقد المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية ارسلَ البطريركُ الى حضور هذا المجمع، عام 681، امينَ سره اندراوس، لِما كان يعهد به من الكفاءة وعلماً وفضيلة. فحضر ذلك المجمع وحرم مع آبائه المئة والاربعة والسبعين، بدعة المونوتيلية، اي المشيئة الواحدة ووقّع معهم قانون الايمان الذي اثبت ان في المسيح مشيئتين، كما ان فيه طبيعتين كاملتين. وحرموا زعماء تلك البدعة واتباعها.

ولما رجع رقّاه البطريرك الى درجة الشمامسة. ووكل اليه العناية بالايتام والارامل في كنيسته. فقام بوظيفته خير قيام في سبيل الاحسان والعطف على الفقراء. واشتهر بسمو فضائله وغزارة علومه، حتى انتخب اسقفاً على جزيرة كريت. فذهب اليها وكان لها ذلك الراعي الصالح المتفاني غيرة في خلاص النفوس. ثم رقد بالرب نحو سنة 720. صلاته معنا. آمين.

اليوم الخامس

تذكار القديس مكاريوس الصليبي

ولد في مصر العليا نحو سنة 301 من والدين فقيرين مسيحيين. ويلقَّب بالكبير تمييزاً له عن معاصره مكاريوس الاسكندري. كان معجباً بحياة القديس انطونيوس الكبير، تواقاً الى اتّباع طريقته النسكّية. فتتلمَذَ له ولازمه في آخر حياته وخلفه بعد مماته في تدبير النسّاك. قضى حياته بالأصوام والتقشفات الصارمة وممارسة الصلوات الدائمة والتأملات، وخاصّة في آلام المسيح. لا يأكل الاّ الحشائش وقليلاً من الخبز والماء.

فاشتهرت قداسته وتتلمذ له كثيرون من الشبان حتى بلغ عددهم الألف. وقد تحمل من المصائب والتهم الكاذبة ما دلّ على فضيلته الراسخة وصبره العجيب وتواضعه العميق. وقد اتُّهِمَ بالزنى. وأُهِينَ وضُرِب وهو صابر ولم يبّرئ نفسه. إِلاّ أنّ الله برّأه وأشهرَ قداسته لدى الناس، فكانوا يحترمونه ويكّرمونه. ولشدة تواضعه، هرب الى البرية متوغلاً فيها. وكان لا ينفكّ عن تلاوة الصلاة والأسهار الطويلة، لا ينام إِلاّ قليلاً، مستنداً الى الحائط... وقد ارتسم مكاريوس كاهناً سنة 340 ليقوم بتقدمة الذبيحة الالهيّة للرهبان. منحه الله موهبة صنع العجائب ولا سيما طرد الشياطين.

وكان البدعة الاريوسية قد تفشّت في الكنيسة وأقلقتها وقسمتها، وضعضعت صفوفها في تلك الأيام. فقام هو ومكاريوس الاسكندري الذي عاش معه ثلاث سنوات، يكافحانها بكلّ جرأة وغيرة، ويشجّعان رهبانهما على مقاومتها، ويثبّتان الناس في الايمان القويم. ولذلك قام عليهما لوشيوس بطريرك الاسكندرية الاريوسي وطلب من الملك فالنس زعيم الأريوسيّة، فأمر بنفيهما الى جزيرة قريبة من مصر. فكانا متفاهميَن صابرَين مثابرين على أعمال البرّ والقداسة، حتى ردّا أهل تلك الجزيرة الى الايمان بالمسيح.

فناصرهما الشهب الاسكندري وأجبر البطريرك المذكور على إرجاعهما الى اديرتهما. فعادا يواصلان جهادهما في ادارة شؤون رهبانهما وجماعة المؤمنين، بأمثلتهما المُعمِرّة ونصائحهما الرشيدة، الى أن رقدا بالرب بشيخوخة صالحة في عمر90 سنة. توفي مكاريوس الاسكندري نحو سنة 395. وتوفي مكاريوس الصليبي سنة 391. ويُلقَّب أيضاً بالصليبي لأنه كان يصلّي باسطاً يديه بشكل صليب ومات ودُفن كذلك.

وقد ترك تآليف عديدة في قوانين الرهبان والسيّاح، كلّها حكم ونصائح كثيرة مفيدة. وقد أخذت الرهبانيات عنها قوانين كثيرة. وكان القديس انطونيوس يحبّهما ويجلّهما كثيراً. والكنيسة تكّرمهما شرقاً وغرباً. صلاتهما معنا. آمين.

           

اليوم السادس

الانبا سيسويص الكبير

ولد هذا البار في مصر نحو سنة 339. ترك العالم وتبع المسيح متخذاً السيرة النسكية في برية الاسقيط. ثم هرب من الناس الوافدين عليه وذهب الى جبل القديس انطونيوس حيث اتبع سيرته بكل دقة، حتى كان له صورة حية. فانعكف على الصمت والصلاة والتقشف وعمل اليد، لا يأكل الا مرة كل يومين، يتناول قليلاً من الحشائش والبقول ولا يشذ عن خطته هذه، الا لضرورة ماسة.

اتاه رجل بابنه، طالباً بركته وكان الولد قد مات في الطريق. فطرحه ابوه امام القديس وهَمَّ بالرجوع. فناداه القديس: تعال خذ ابنك، وقال للولد: قم اتبع أباك، فنهض للحال ولحق بأبيه، فجاء هذا يشكر للقديس جميله، معجباً بما صنعه الله على يده. فقال له القديس، مقتدياً بالسيد المسيح: لا تخبر احداً بذلك. وما أتاه احد طالباً صلاته الا نال شفاء النفس والجسد.

وحدث ان احد الرهبان تَخاصمَ مع رفيقه، فعزم على الاخذ بالثأر. فنصح له القديس فلم يسمع لنصحه، عندئذ اخذ القديس يتلو الصلاة الربية على رأسه قائلاً:" لا تغفر لنا ذنوبنا، كما نحن لا نغفر لمن اخطأ الينا" فلما سمع الراهب ذلك خجل وقام الى القديس يقبل يديه ويستغفره، صافحاً لاخيه.

وقد استشاره احد السياح في شأن إرثٍ له. فأجابه: اعطه ليسوع المسيح نفسه في شخص الفقراء والمساكين إراحةً لضميرك.

وعند دنو اجله، جاء النساك يحيطون به ليغنموا بركته، فشاهدوا وجهه يسطع بنور سماوي وسمعوه يقول: هوذا الانبا انطونيوس، هوذا لفيف الرسل والقديسين آتون الينا. وسمعه الحاضرون يتكلم همساً مع اشخاص امامه دون ان يروا احداً. فاندهشوا وسألوه: مَن تُخاطب يا أبانا؟ فأجابهم: الملائكة الذين جاؤوا ليأخذوا نفسي، فأسألهم ان يتركوني زمناً بعد لاصنع توبة مقبولة.

فأكبر الرهبان تواضعه، وكان كلامه لهم خير عبرة وموعظة. ثم تلألأ وجهه بهالة من النور وهتف قائلاً: انظروا هوذا الرب آتٍ يقول: اعطني هذا الاناء المختار. قال هذا واسلم الروح. وما زال وجهه متلألئاً كالشمس وفاحت الروائح الزكية من جثمانه الطاهر وكان ذلك سنة 429. صلاته معنا. آمين.

اليوم السابع

تذكار القديس توما الناسك

كان من أسرة شريفة، غنية. وكان قائداً في الجندية، مشهوراً بمقدرته وبسالته. وقد بطش مراراً بالاعداء البرابرة وحاز انتصارات مجيدة في مواقع عديدة. ثم هام بمحبة المسيح فزهد في العالم وخيراته وملاذه فانضوى الى دير في جبل مالاون من بلاد اليونان واخذ يمارس افعال النسك، حتى بلغ درجة سامية في الكمال، وقد اتخذ طريقة النبي ايليا الذي أولع به، فظهر له هذا النبي مراراً يخاطبه ويشجعه.

ومن الحوادث والآيات الباهرة التي اجراها الله على يده، ان نوراً ساطعاً كان يضيء منسكه ليلاً ويبهر الابصار. وكان بصلاته يطرد الشياطين ويشفي المرضى ويقيم المقعدين. ومرة نضب ينبوع ماء فأعاده الى مجراه، كما اعاد البصر الى العميان. ولذلك ظهر عجيباً في أعين الناس، لكنه، لشدة تواضعه، كان يهرب من كل مدح وثناء الى الخلوة، مثابراً على مناجاة الله وبالصلاة والتأمل، الى ان رقد بسلام. صلاته معنا. آمين!

اليوم الثامن

تذكار الشهيد بروكوبيو

ولد هذا البار في اورشليم، وتوطن مدينة بيسان على شاطئ الاردن، وصار خادم كنيستها، بصفة قارئ الاسفار المقدسة ومترجمها للشعب من اللغة اليونانية الى اللغة السريانية، لغة الشعب. وقد اقامه الاسقف مقسِّما يطرد بصلاته الشياطين.

وكان بروكوبيوس قائماً بخدمته هذه حق القيام، ممارساً انواع النسك والتقشف قهراً لجسده وحفاظاً على طهارته الملائكية. لا يتناول مأكلاً سوى الخبز والماء فقط كل ثلاثة او اربعة ايام مرة واحدة. يغذي نفسه بمطالعة الكتب المقدسة، نهاراً وليلاً. وكان حميد الخصال، متسامياً بالفضيلة ولا سيما الوداعة والتواضع فضلاً عن تضلعه من العلوم اللاهوتية والعالمية.

ولما اثار ديوكلتيانوس الاضطهاد على المسيحيين وبلغت اوامره الى قيصرية فلسطين، كان بروكوبيوس اول مَن نال اكليل الشهادة في هذه المدينة، إذ انّ الوالي فلابيانوس ارسل فقبض عليه مع غيره من المسيحيين، فأتوا بهم الى قيصرية، عاصمة الاقليم. ولما مثل بروكوبيوس امام الوالي أمره ان يسجد لآلهة المملكة. فأجابه بصوتٍ عالٍ:" انا لا اعرف الا الهاً واحداً فقط هو خالق السماوات والارض وله وحده يجب السجود". فكان جوابه هذا كحربةٍ طَعنت قلب الوالي؟ فأمره بالخضوع لاوامر الملوك. فلم ينثن القديس عن عزمه. وأجاب ببيت شعر من اوميريوس مفاده: لا خير من مملكة يضبط زمامها كثيرون. عندئذ امر به الوالي، فضُرِبَت عنقُه وتكلل بالشهادة سنة 303. صلاته معنا. آمين.

اليوم التاسع

تذكار الشهيد بنكراتيوس

كان بنكراتيوس من مدينة انطاكية ولما سمع ابوه باخبار السيد المسيح وكرازته وبما يصنعه من المعجزات، جاء من انطاكية الى اورشليم ليراه معه ابنه هذا بنكراتيوس. فحظيا برؤية المخلص وسمعا كلامه وشاهدا الآيات التي كان يصنعها. ومن ذلك الحين، بعد صعود الرب الى السماء، تعرف بنكراتيوس بالقديس بطرس الرسول وتتلمذ له ولازمه. فرقاه الرسول الى الدرجات المقدسة، لِما رأى فيه من الفضائل والاخلاق الحسنة، ثم أقامه على مدينة طفرونيا في جزيرة صقلية. ووكل اليه العناية بهذه الكنيسة الجديدة فقام يتفانى غيرة على خلاص النفوس والبشارة بالانجيل ورد كثيرين من الوثنيين الى الايمان بالمسيح. فهاج عليه عبدة الاصنام وقتلوه فنال اكليل الشهادة. صلاته معنا. آمين!.

وفيه أيضاً: تذكار الشهيدين باتروموسيوس وقِبري

كان هذان الشهيدان ناسكَين في برية مصر، فوُشِيَ بهما الى يوليانوس الجاحد، فاستحضرهما واخذ يتملقهما ويتهددهما ليكفرا بالمسيح. فأطاعه اولاً قِبري وجحد الايمان، أما باتروموسيوس فثبت في ايمانه واخذ يوبخ الملك على كفره ويصلي من اجل رفيقه ويؤنبه على حجوده باكياً امامه. لذلك تأثر قبري جداً وتشدد وعاودته النعمة الالهية، فهتف قائلاً:" اني، انا اعبد يسوع المسيح، لا عبد يوليانوس الجاحد". فأمر به الملك فقطعوا لسانه وطرحوا الاثنين معاً في اتون مضطرم، فكانا يصليان وسط النار سالمين من كل اذى بقوة الله. ولذلك آمن جندي اسمه اسكندر مجاهراً بأنه مسيحي، فزجوه معهما في الاتون فلم تنله أذى. فاستشاط الملك غيظاً وامر بهم فضُربت اعناقُهم وتكللت رؤوسهم بالشهادة سنة 362. صلاتهم معنا. آمين.

اليوم العاشر

تذكار الشهيدة فليجيتا وبنيها السبعة

رومانية شريفة النسب مزدانة بالفضائل والاخلاق الحسنة، قد ترملت ولها سبعة أولاد، ربتهم احسن تربية وعاشت معهم منعكفة على ممارسة الفضائل واعمال الرحمة نحو الفقراء، حتى اضحت نموذجاً للارامل وقدوة صالحة للمؤمنين. وللوثنيين انفسهم. فأمرها الوالي يوليوس بان تضحّي للاصنام هي واولادها، فلم يذعنوا له، بل ثبتوا راسخين في ايمانهم. فقال الوالي لفليجيتا امهم: ان كنت لا ترحمين ذاتك، فارحمي اولادك. فقالت: ان الرحمة التي تريد، انما هي القساوة. والتفتت الى بنيها، تشجعهم.

فأمر الوالي بضربها على وجهها بقساوة. واذ صمدوا ثابتين في ايمانهم قضوا عليهم بميتات متنوعة وامهم تشاهدهم وتفتخر باستشهادهم. ثم لحقت بهم ترتع معهم بالمجد الابدي. وكان ذلك نحو سنة 152. وقد مدح هؤلاء الشهداء البابا غريغوريوس الكبير في خطبته الثالثة، بقوله: ان امهم اعظم من شهيدة، لانها استشهدت سبع مرات باستشهاد اولادها امامها. صلاتهم معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار الشهداء الموارنة المسابكيين فرنسيس وعبد المعطي

ورفائيل الذين جادوا بحياتهم لاجل ايمانهم بالمسيح في دمشق سنة 1860.

كانوا معروفين بتقواهم ووفرة غناهم وكرم اخلاقهم وحسن معاملتهم وعطفهم على الفقراء والمحتاجين. وهذه خلاصة استشهادهم.

عام 1860، يوم ثار المسلمون في دمشق والدروز في جنوبي لبنان على المسيحيين، لجأ شهداؤنا، مع عدد كبير من المسيحيين، الى دير الرهبان الفرنسيسكان في دمشق، عندما اضرم المسلمون النار في حيّ المسيحيين فدخل اللاجئون مع الرهبان الى الكنيسة يصلون واعترفوا وتناولوا.

وظل فرنسيس وحده في الكنيسة، جاثياً امام تمثال الام الحزينة، يصلي، رابط الجأش. وبعد نصف الليل دخل الدير عنوة، جمهور من الرعاع، مدججين بالسلاح. فذعر اللاجئون ولاذ بعضهم بالفرار واختبأ البعض. وهرع الباقون الى الكنيسة ليحتموا بها. فأخذ اولئك الرعاع يصرخون:" اين فرنسيس مسابكي؟ اننا نطلب فرنسيس". فدنا فرنسيس منهم، غير هياب، قائلاً لهم:" انا فرنسيس مسابكي ماذا تطلبون؟" فأجابوه: جئنا ننقذك وذويك بشرط ان تجحدوا الدين المسيحي وتعتنقوا الاسلام والا فانكم تهلكون جميعكم. فأجابهم فرنسيس:" اننا مسيحيون وعلى دين المسيح نموت. اننا نحن معشر المسيحيين لا نخاف الذين يقتلون الجسد، كما قال الرب يسوع".

ثم التفت الى أخوَيه وقال لهما:" تشجعا واثبتا في الايمان، لان اكليل الظفر معد في السماء لمن يثبت الى المنتهى". فأعلَنا، فوراً، ايمانهما بالرب يسوع بهذه الكلمات:" اننا مسيحيون ونريد ان نحيا ونموت مسيحيين".

فانهال المضطهدون، اذ ذاك عليهم، بالضرب بعصيهم وخناجرهم وفؤوسهم، فأسلموا ارواحهم الطاهرة بيد الله، مؤثرين الموت على الكفر فنالوا اكليل الشهادة. وكان ذلك في اليوم العاشر من تموز من السنة المذكورة آنفاً. وقد اعلن السعيد الذكر البابا بيوس الحادي عشر تطويبهم في اليوم العاشر من ت1 سنة 1926 بمسعى الطيب الاثر المطران بشاره الشمالي رئيش اساقفة دمشق الماروني. صلاتهم تكون معنا. آمين.

اليوم الحادي عشر

تذكار الشهيدة اوفيميا

ولدت اوفيميا في خلقيدونية من ابوين تقيين، وترعرعت على محبة التقوى والفضيلة. ولما ثار الاضطهاد على المسيحيين في ايام الملك ديوكلتيانوس، قبض عليها بركسوس والي آسيا الصغرى، مع بعض المسيحيين وأمرهم بأن يضحوا للآلهة، فرفضوا. فعذبوهم وطرحوهم في السجن.

اما اوفيميا فأرادا الوالي ان يربحها بالملاطفة، فأجابته: أنا مسيحية لا شيء يمكنه ان يفصلني عن محبة المسيح. فأمر الوالي بوضعها على دواليب مسننة فتمزق جسدها، انما الله انقذها وأبرأ جراحها. اشتد غيظ الوالي، فأمر بجلدها وطرحها بالنار، واوفيميا تتشدد محبةً بيسوع. واخيراً القوها للوحوش فلم تفترسها، وهناك فاضت روحها الطاهرة سنة 404 فجاء ابوها وامها مع المؤمنين واخذوا جثمانها الطاهر ودفنوه في ضريح جديد، وكانت رائحة زكية تفوح منه. وقيل ان البطريرك التقط باسفنجة دماً من جسدها. وكان يوزعه ذخائر على المؤمنين تشفي امراضهم.

وقد بنوا كنيسة فخمة على اسمها حيث عقد فيها المجمع الخلكيدوني الرابع المقدس سنة 451. ويروى ان آباء المجمع المذكور اتفقوا فوضعوا فيقبرها صك الامانة الكاثوليكية القائلة بالطبيعتين والمشيئتين في المسيح. وصك الهراطقة القائلة بالطبيعة الواحدة. وفي اليوم التالي وجدوا الصك الاول قد قبضت عليه القديسة بيمينها فناولته للبطريرك اناطوليوس، والصك الثاني على قدميها. فمجدَ المؤمنون الله الذي اظهر الحقيقة على يد القديسة الطاهرة. صلاتها معنا. آمين.

اليوم الثاني عشر

تذكار الشهيدتين روفينا وسيكوندا

كانت روفينا وسيكوندا شقيقتين رومانيتين، مسيحيتين من أشراف روما. خطبهما شابان مسيحيان لا يقلاّن شرفاً عنهما. ولما قام الاضطهاد على المسيحيين، جحد الخطيبان ايمانهما، فامتنعت روفينا واختها سيكوندا عن الاقتران بهما. فشكاهما الخطيبان الى والي المدينة، فألقى القبض عليهما. وزجَّهما في السجن. ولما لم تذعنا لتملقاته وتهديداته اغتاظ الوالي وامر بجلدهما، فأخذتا تسبحان الله. فقال لهما الوالي:

" أأنتما مجنونتان؟" فأجابتاه:" كلا، بل نحن مسيحيتان بعقل كامل والمسيحيون العقلاء يفضلون الموت على الكفر بايمانهم". فأمر الوالي بالقائهما في زيت يغلي فلم يمسّهما أذى. واخيراً قطعوا رأسيهما، ففازتا باكليل الشهادة سنة 257، صلاتهما معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار سوسنه الشهيدة

هي ابنة غابينوس اخي البابا غايوس القديس، من اسرة مسيحية عريقة في الشرف، تمُتّ بالنسب الى الملك ديوكلتيانوس. نذرت بتوليتها لله. ولما توفيت امرأة مكسميانوس، نسيب الملك، أراد هذا ان يزوجه بسوسنة، فأرسل نسيبه كلوديوس يخاطب أباها بذلك. فأجابتهما انها كرست ذاتها للسيد المسيح. ثم شرحت لكلوديوس صحة المعتقد المسيحي وشرف البتولية. فأثر كلامها في قلبه، وطلب منها معرفة الدين المسيحي. فقالت له:" اذهب الى عمي الحبر الاعظم فهو يرشدك الى ما فيه خلاصك".

فذهب كلوديوس الى البابا الذي علمه قوانين الايمان وعمده مع اهل بيته. ولما استبطأ الملك عودته، ارسل اليه الامير مكسيموس فأتى ووجده جاثياً يصلي. فتأثر مكسيموس وآمن واعتمد وباع املاكه ووزع ثمنها على المساكين. ولما عرف الملك بأمر كلوديوس ومكسيموس امر بقتلهما حريقاً، فتكللا بالشهادة. واما سوسنة فأمر بقطع رأسها بعد ان عذبها كثيراً، وتمت شهادتها سنة 295. صلاتها معنا. آمين.

اليوم الثالث عشر

تذكار البابا اينوشنسيوس الاول

ولد في مدينة اليانو بجوار روما. وقد تحلى بالفضائل ونبغ بالعلوم وحسن الادارة فصار شماساً للبابا اناستاسوس ( 399- 401). وبعد موت البابا خلفه شماسه على كرسي مار بطرس (في 2ايار سنة 402) وكانت حبريته سلسلة اعمال مجيدة في تاريخ الكرسي الرسولي.

كان شديد الحرص على تقاليد الكنيسة. محباً للفقراء. غيوراً على الكنائس. له عدة رسائل وبراءات جزيلة الفائدة. ويُعزَى اليه منع قبول الدرجات المقدسة عمن يتزوج ثانية، وفرض الصيام يوم السبت، تذكاراً لدفن المخلص وحزن سيدتنا مريم العذراء والرسل. واثبات التقليد بامتناع الكهنة عن التقديس يوم الجمعة العظيمة. وحدد الاسفار المقدسة القانونية التي تلتزم الكنيسة باعتبارها والتقيد بها. وبعد ان ساس الكنيسة بحكمه وغيرة رسولية رقد بالرب سنة 417. صلاته معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار يوئيل النبي

هذا كان من مملكة يهوذا، ابن فنوئيل، من الانبياء الاثني عشر الصغار. ويظهر من نبوءاته كان قاطناً اورشليم. اما نبوءاته فهي اقدم النبوءات، وتنبأ عن حلول الروح القدس على التلاميذ (ف2: 28)، اذ قال:" وسيكون بعد هذه اني افيض روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم وعلى عبيدي وامائي افيض روحي" وقد ذكر بطرس الرسول هذه الآية في خطبته يوم عيد العنصرة.

وتنبأ ايضاً على الدينونة العامة، حيث قال:" اجمع جميع الامم وانزلهم الى وادي يوشافاط واحاكمهم هناك" (ف3: 2). وكان يوئيل نحو سنة 800 قبل المسيح. ويوئيل لفظة عبرانية معناها الفريد او المبتدي. صلاته معنا. آمين.

           

اليوم الرايع عشر

تذكار القديس بوناونتورا ملفان البيعة

ولد سنة 1221 في توسكانا بايطاليا من اسرة شريفة غنية بالمال والفضيلة، وسمي اولاً يوحنا وكانت والدته ماريا ممتازة بالتقوى لسيدتنا مريم العذراء ربت ابنها على حب الفضيلة وعبادة مريم العذراء.

وفي 1243. دخل رهبانية القديس فرنسيس وأرسله رؤساؤه الى جامعة باريس وامتاز في دروسه، معتمداً فيها ليس فقط على ذكائه، بل على نعمة الرب.

وفي السنة 1250 نال لقب ملفان في اللاهوت. وبعد ثلاث سنين توفي استاذه فقام مكانه يعلم الفلسفة واللاهوت. وكما لقب القديس توما الاكويني بالملائكي، لقد بوناونتورا بالساروفيمي. وفي سنة 1256 انتخبه رهبانه رئيساً عاماً ولم يكن عمره سوى خمس وثلاثين سنة وذلك نظراً الى فضائله وعلومه الغزيرة. فأخذ يسوس رهبانه ويرشدهم بعلمه وعمله، سائراً في مقدمتهم، بجميع الواجبات الرهبانية ولا سيما حفظ القوانين وخاصة التواضع.

ولما توفي اكليمنضوس الرابع سنة 1268 اخذ الكرادلة رأي بوناونتورا فعين لهم البابا غريغوريوس العاشر. فعينه البابا اسقفاً على البانو ثم كردينالاً.

وفي السنة 1274، ارسله قاصداً رسولياً الى مجمع ليون حيث اجلسه البابا عن يمينه. وكانت الغاية من ذلك المجمع: مساعدة الصليبيين بالجيوش لانقاذ الاراضي المقدسة واتحاد الكنائس الشرقية مع الكنيسة الرومانية واصلاح الكنيسة الداخلي، فلمع بوناونتورا في المجمع وكان في مقدمة الكرادلة وزعيم خطبائهم وامام اللاهوتيين بينهم. وتوفي قبل انتهاء المجمع بثلاثة ايام، فكان له مأتم عظيم ترأسه البابا نفسه وحضره الملوك الذين كانوا في المجمع.

 ثم اثبته البابا سيكستوس الرابع قديساً سنة 1482. وأحصاه بين ملافنة البيعة البابا سيكتوس الخامس سنة 1587. وقد كان شديد العبادة لسيدتنا مريم العذراء، كما كانت طبعَتها في قلبه والدتُه التقية. لذلك بذل جهده في نشر عبادتها، وقال فيها اناشيد بديعة. اما تآليفه الفلسفية واللاهوتية فهي نادرة المثال. وحياته كلها كانت وقفاً على خدمة الله وكنيسته المقدسة. صلاته معنا. آمين.

اليوم الخامس عشر

تذكار الشهيدين كيرياكوس ويوليطا امه

ولدت يوليطا في مدينة ايقونية من اسرة شريفة. تزوجت برجل شريف النسب مثلها، لكنه توفي في غض الشباب، تاركاً لها ثروة طائلة وولداً وحيداً اسمه كيرياكوس، ابن ثلاث سنوات. وكانت يوليطا على جانب عظيم من التقوى والعبادة للسيد المسيح وكثيرة العطف على الفقراء.

ولما اثار ديوكلتيانوس الاضطهاد على المسيحيين، تركت وطنها وثروتها وأتت بابنها الى مدينة طرطوس مع جاريتها. فألقى الوالي الكسندروس القبض عليها وهي حاملة طفلها على ذراعيها. فأخذ يسألها عن وطنها ومذهبها، فلم تجبه الا بهذه العبارة:" انا مسيحية". فاغتصب الجند ابنها من يديها واخذوا بتعذيبها بقساوة كلية، وهي صامتة كأنها لا تشعر بألم، وتكرر قولها:" انا مسيحية" ودماؤها تسيل فتبلل الارض.

فأخذ الوالي ابنها كيرياكوس، وشرع يتملقه وسمع الطفل امه تقول:" انا مسيحية" فصرخ قائلاً:" انا مسيحي". فما كان من ذلك الظالم، الا ان رمى به من اعلى المنصة فانشق رأسه وامتزجت دماؤه بدماء امه وهي تنظر اليه بعين دامعة، وثغر باسم. فازداد الوالي غيظاً وأمر فمزقوا جسدها بمخالب من حديد وصبوا عليها زفتاً مغلياً، وهي صابرة، لا تئن ولا تتذمر. فأمر بقطع رأسها. فتمت شهادتها سنة 305. صلاتهما معنا. آمين.

                

اليوم السادس عشر

تذكار ثوب السيدة

ان سيدتنا مريم العذراء قد ظهرت لسمعان ستوك رئيس الآباء الكرمليين في اواسط القرن الثالث عشر، وسلمته الثوب الكرملي وقالت له:" ان كل من لبس هذا الثوب، وتلا الصلوات المفروضة يحصل على شفاعتي وانا انجيه من عذابات المطهر".

يُصنَع هذا الثوب من قطعة صوف بنّي اللون يُعلَّق في العنق تحت الاثواب، وقد انتشرت هذه العبادة، بوقت وجيز، في الشرق والغرب. وشيدت كنائس عديدة على اسم سيدة الكرمل. والمتعبدون لها يدعون" اخوية ثوب الكرمل". وقد نشطها واثبتها الاحبار الاعظمون ومنحوها غفارين عديدة. رزقنا الله بركات هذا الثوب. آمين.

                     

اليوم السابع عشر

تذكار القديسة مارينا

ولدت هذه القديسة في القلمون، من لبنان الشمالي. وكان والدها تقياً. ماتت والدتها في سن الصبا فزهد ابوها في الدنيا، وجاء الى دير قنوبين في الوادي المقدس مع ابنته التي ألبسها زي الرجال وترهبت دون ان يقف الرهبان على سرها. وعُرفت عندهم باسم الأخ مارينوس.

وكان مارينوس رغم حداثته منعكفاً على ممارسة الفضائل الرهبانية بكل دقة ونشاط. يلازم الصمت والاحتشام مطرق النظر، جاعلاً من اسكيمه لثاماً يَحجب ملامح وجهه وعينيه ولا يُسمع له صوت. فأرسله الرئيس ذات يوم الى البلدة المجاورة في مهمة للدير، فاضطر ان يبيت عند احد اصدقاء الرهبان المدعو بفنوتيوس وله ابنة صبية، كانت قد سقطت في زنى وبَانَ حبلها بعد حين. فغضب ابوها جداً فأخبرته بان الراهب مارينوس اغتصبها، ليلة بات عندهم. فأسرع ابوها الى الدير وشكا الامر للرئيس. فدهش لِما يعلم عن راهبه من الطهارة والتقى. فاستدعى مارينوس ووبخه فلم يفه بكلمة تبرئه. فوقع الرئيس في حيرة، وعد السكوت اقراراً بالذنب وحكم على مارينوس بالطرد خارج الدير. فرضخ مارينوس مستسلماً لمشيئة الله واستمر على باب الدير مصلياً باكياً يعيش من فضلات مائدة الرهبان. وكان ابوه قد توفي.

اما الابنة فولدت صبياً، جاء به ابوها الى الدير ودفعه الى مارينوس قائلاً:

" ربِّ ابنك!"

فأخذه مارينوس وشرع يربيه ويغذيه مما تكرم به الرهبان من حليب ماعز الدير وفضلات مائدتهم. وبقي على هذه الحال اربع سنوات، حاملاً عار تلك التهمة الشائنة لا يئن ولا يتذمر. على ان الرئيس رَقَّ له يوماً وادخله الدير فارضاً عليه قصاصاً شديداً، فقبل ذارفاً دموع التوبة.

وظل مثابراً على اعمال التقشف الى ان دنت ساعة وفاته. فأشرقت اسارير وجهه بنور سماوي وطلب المغفرة من الجميع، غافراً لمن أساء اليه. ثم أسلم الروح. فأمر الرئيس بتجهيز جثمانه ودفنه خارج الدير.

وما اعظم ما كانت دهشة الرهبان عندما رأوا ان مارينوس امرأة لا رجل! فجثا الرئيس مع رهبانه امام الجثمان الطاهر مستغفرين الله وروح القديسة البارة. اما والد الابنة الساقطة فالتحف الخجل وجاء يعترف بخطأه امام الجميع. وأما ابنته فأقامت على قبر القديسة تذرف الدموع نادمة على ما فعلت.

واشتهرت قداسة مارينا في لبنان فأسرع الناس افواجاً الى دير قنوبين للتبرك من جثمانها. وأضحى ضريحها ينبوع نعم وأشفية عديدة. صلاتها معنا. آمين!

اليوم الثامن عشر

تذكار الشهيدة سنفروسا وبنيها السبعة

ولدت هذه الشهيدة في روما، من اسرة شريفة. وقد تزوجت من نبيل اسمه جيتوليوس، كان مقرباً من الملك ادريانوس. ولما ثار الاضطهاد على المسيحيين، نقل جيتوليوس عيلته الى مدينة تيفولي بجوار روما. وما لبث ان استشهد هو واخوه لاجل ايمانهما بالمسيح.

فاستمرت سنفروسا الارملة مع بنيها السبعة مواظبة على الصلاة. تربيّهم على حب الفضيلة والتقوى وتنعش فيهم الرغبة في الاستشهاد.

ولم تنفك، كل يوم، عن ان تشجعهم ليقتفوا آثار ابيهم وعمّهم الشهيدين، مشددة عزائمهم على تحمل العذاب من اجل ايمانهم، حتى استعدوا لذلك بكل ما فيهم من حماسة الشباب والغيرة الصادقة على ايمانهم الصحيح.

قبض الملك على سنفروسا واولادها وكلفها التضحية الاوثان فأبت بكل شجاعة وثبات. فأمر بتعذيبها. فضربها الجلاد على وجهها بقساوة واذاقها من العذابات أمرها وهي صامدة في ايمانها. عندئذ علقوا في عنقها حجراً ثقيلاً وطرحوها في النهر فغرقت ونالت اكليل الشهادة. وفي الغد استحضر الملك اولادها السبعة واخذ يلاطفهم ويتملقهم اولاً ثم تهددهم لكي يضحوا للاصنام. فأجابه كريسنتوس، وهو البكر:" من اجل المسيح لا يهمنا عذاب. فنحن ابنا جوليتوس وسنفروسا الشهيدين ومثلهما نحب ان نموت شهداء". فأمر الملك بهم فعلقوهم على اخشاب ومزقوا اجسادهم بالمجالد فسالت دماؤهم وطارت نفوسهم البارة الى مشاهدة والدَيهما الشهيدين في المجد الابدي. ولما خمدت نار الاضطهاد، اخذ المسيحيون اجسادهم ودفنوهم باكرام. وكان استشهادهم سنة 125. ثم نقلت ذخائرهم الى روما ايام البابا بيوس الرابع، في القرن السادس عشر. صلاتهم معنا. آمين.

اليوم التاسع عشر

تذكار الشهيد مارغريتا

كانت مرغريتا من انطاكية. ابنة ايزيديوس كاهن الاوثان. ماتت امها اثر ولادتها فسلمها ابوها الى مرضع مسيحية فربتها على مبادئ الدين المسيحي. ولما عرف ابوها استاء جداً وشاء ان يردها الى الوثنية، فأخذ يعنفها لتكفر بالمسيح، فلم ينجح. لذلك طردها من البيت، فرفقت بها مرضعها واخذتها الى بيتها.

وبينما كانت يوماً ترعى غنم سيدتها، رآها الوالي اوليبريوس، فراقه جمالها ورغب في ان يتزوجها. فسألها من هي فأجابته:" اصلي معروف بالشرف في المدينة وانا امة لربي يسوع المسيح، احبه واعبده منذ صغري". فقال لها ما اسمك؟ قالت: يسميني الناس مارغريتا ولي اسم اشرف وهو "مسيحية". فأخذ يلاطفها لترضى بأن تكون زوجة له. فأبت. فحنق وتحول هيامه بها الى حقد وبغض شديد. ولما صدر الامر باضطهاد المسيحيين، نحو سنة 300 ارسل فألقى القبض عليها وطرحها في سجن مظلم ومنع عنها الطعام، فظهر لها ملاك الرب يشددها ويعزيها.

ثم استحضرها الوالي امام مجلس حافل وأمرها بأن تنثني عن غيها، فتكون براحة وهناء، والا فالعذاب والموت. فأجابته:" ان راحتي وحياتي في محبتي لربي يسوع المسيح. واعلم ان لا عذاب ولا موت ولا قدرة بشرية يمكنها ان تنزع من قلبي هذا الكنز الثمين". حينئذ امر الوالي بتعذيبها، فعلقوها بشعر رأسها وجلدوها جلداً عنيفاً، حتى تمزق جسدها وسالت دماؤها وهي صابرة، فآمن كثيرون من الحاضرين. فأعادها الوالي الى السجن، فأخذت تصلي الى الله ليقويها على تحمل العذاب ويؤهلها الى سفك دمها حباً له.

فأخرجها الوالي من السجن وأمر فَكَووها بصفائح حديد محمية، فاستمرت صابرة تشكر الله على نعمة الاستشهاد. ولما عجز الوالي عن اقناع فتاة ضعيفة أمر بضرب عنقها فنالت اكليل الشهادة نحو سنة 300.

ويسميها الروم مارينا الشهيدة العظيمة وهي غير مارينا شفيعة دير قنوبين التي مر تذكارها اول أمس. وغير مارينا السلوقية التي كانت سنة 1056. صلاتها معنا. آمين.

                 

اليوم العشرون

تذكار ايليا النبي

كان هذا النبي من سبط لاوي، من عشيرة هارون. وكان نحو سنة 890 قبل مجيء المسيح، في أيام آسا ملك يهوذا وآخاب ملك اسرائيل. وقد اشتهر بجرأته وغيرته على عبادة الاله الحقيقي وحفظ نواميسه. (انظر سفر الملوك الثالث).

وكان آخاب قد تمادى باسخاط الرب، هو وايزابل امرأته اكثر من جميع ملوك اسرائيل. فأرسل الرب ايليا يقول له:" حيٌّ الربُّ الذي انا واقف امامه، انه لا يكون في هذه السنين ندى ولا مطر الا عند قولي". وتمت نبوءته.

واقام تجاه الاردن حيث أمر الرب الغربان فكانت تقوته. ولما طال انحباس المطر وجف ماء النهر ذهب بأمر الرب الى صرفت صيدون، حيث كان ضيفاً على ارملة فقيرة وقاها هي وابنها من الجوع بآية جرة الدقيق فلم تفرغ وقارورة الزيت فلم تنقص واقامته ابنها من الموت.

ثم اختبأ من وجه آخاب الذي كان يسعى في طلبه ليميته. وظهر امامه وأنّبه على تركه وصايا الرب. وكانت يد الرب معه. وحنقت ايزابل وارسلت تهدده بالقتل، فهرب الى بئر سبع ثم الى البرية، وهو يائس جائع، فأتاه ملاكٌ بالقوت والماء مرتين، وبات في مغارة. فناداه ملاك الرب:" ما بالك ها هنا يا ايليا؟" فقال:" اني غرت غيرة للرب اله الجنود، لان بني اسرائيل قد نبذوا عهدك وقوضوا مذابحك وقتلوا انبياءك بالسيف وبقيت انا وحدي وقد طلبوا نفسي ليأخذوها".

فأمره الرب بالرجوع الى الدفاع عن الحق. فعاد ووبّخ الملك وامرأته واتخذ اليشاع تلميذاً له. فغار غيرة عظيمة على شريعة الرب وكان الله يعضده بقوة المعجزات.

وذهب مع اليشاع الى نهر الاردن، فضرب ايليا الماء بردائه فانشقت شطرين، فجاز كلاهما على اليبس، واذا بمركبة نارية صعد بها ايليا واخذ اليشاع رداءه الذي سقط منه.

وقد ورد ذكر ايليا مراراً في الانجيل ولا سيما في تجلي الرب على طور طابور. وجاء في التقليد – وربما كان ذلك بناء على ما جاء في نبوءة ملاخيا (فصل 4: 5-6) –ان ايليا سيظهر مع اخنوخ قبل القيامة العامة فيسبقان المسيح الدجال، ويعظان الناس، ويناديان بقرب مجيء الرب الى الدينونة العامة. وكان صعوده بالمركبة النارية سنة 880 قبل المسيح. صلاته معنا. آمين!

                 

اليوم الحادي والعشرون

تذكار القديس سمعان سالوس ورفيقه يوحنا

ولد هذان القديسان في اوائل القرن السادس من اسرة شريفة ويُرجَّح ان موطنهما حمص. تثقفا ثقافة عالية، لكنهما كانا يزهدان في الدنيا واباطيلها ويرغبان في الاتحاد بالله والسيرة في طريق الكمال المسيحي. فمضيا الى زيارة الاماكن المقدسة. وزارا الاديرة وشغفا بحياة سكانها فاعتنقاها وبلغا شوطاً بعيداً في طريق الكمال الرهباني. ثم استأذنا الرئيس وانفردا يعيشان، بجوار البحر الميت، عيشة الرهبان المتوحدين، تسعا وعشرين سنة. وشاء الله ان يفترقا، فيبقى يوحنا في خلوته، وينهي حياته فيها بالبر والقداسة، ويعود سمعان بالهام الهي الى ضوضاء العالم، متخذاً طريقة غريبة تحار فيها العقول وتكاد لا تصدقها لولا المستندات التاريخية. وهي انه رجع الى اورشليم وتظاهر امام الناس بالبله والجنون، فاحتقروه واهانوه، كما فعل اليهود بالمسيح. ولهذا لقب بسمعان سالوس اي الابله او المجنون.

ثم عاد الى وطنه حمص واخذ يتجول في الازقة والشوارع ويعرّض نفسه للاهانة والسخرية. وكان الناس يظنونه فاقد العقل، فيشفقون عليه حيناً ويهزأون به أحياناً. وكلما ازدادوا في اهانته واحتقاره ازداد هو سروراً وضحكاً. يقابل الشتم واللطم بدعة ولطف وتواضع. وكان في حالته هذه عجيباً مهاباً معاً، حتى رد كثيرين من الخطأة الى التوبة من رجال ونساء. وكان لاحاديثه الهزلية ما يلذ السامع ويلج طيات القلوب ويحبب الفضيلة ويردع عن الرذيلة. وكانت الشياطين تخرج من المعترين بمجرد حضوره ومشاهدته. تلك كانت حياته الظاهرة المدهشة.

اما حياته الخاصة فلم تكن اقل عجباً. فلم يكن لصلواته وتقشفاته انقطاع. وقد شرفه الله بصنع المعجزات وروح النبوءة.

وما ان طارت نفسه الى السماء، حتى قام الشماس يوحنا يعلن امام الجميع تلك القداسة المستترة تحت برقع البله والجنون، فهرع الشعب الى ذلك الكوخ الحقير للتبرك من ذلك الجثمان الطاهر الذي فاض بالمعجزات والبركات.

وكانت وفاته نحو سنة 580. صلاته معنا. آمين!

                       

اليوم الثاني والعشرون

تذكار القديس لوجيوس اي نوهرا

ولد هذا القديس في بلاد فارس. وقيل في مدينةٍ بجوار الاسكندرية، من والدين وثنيين غنيين. وبما كان عليه من حدة الذهن والعلم الوافر، ادرك ما في الوثنية من خرافة فنبذها وعمد الى احد اصدقائه المسيحيين العلماء فأرشده الى الايمان الحق بالمسيح، فاعتمد هو ووالداه. فانكب على درس الكتب المقدسة وشرحها، وانصرف الى ممارسة الصلوات والتأملات. وبعد ارتقائه درجة الكهنوت ووفاة والديه وزع كل ثروته على المساكين واخذ يبشر بالانجيل ويرد الكثيرين من الوثنيين الى الايمان بالمسيح بما أجراه على يده من المعجزات. فكان بمثله الصالح وكلامه المؤثر نوراً للعقول وهدياً الى كل خير وصلاح فطابق اسمه مسماه، نوهرا بالسريانية اي النور، ولوجيوس باللاتينية، وهو معروف في لبنان بشفيع البصر وفيه عدة كنائس على اسمه.

ولما ثار الاضطهاد على المسيحيين في أيام مكسيميانوس الملك اخذ القديس نوهرا يطوف البلاد حتى السواحل الفينيقية، عكا وصور وجبيل والبترون وطرابلس، يناضل عن المؤمنين ويشجعهم على احتمال العذاب ويرد الكثيرين من الوثنيين الى الايمان بالمسيح. فأرسل الوالي روفيانوس في طلبه وادخله هيكل الاصنام ليسجد لها فما رسم القديس اشارة الصليب حتى سمع صوتاً يقول:" لقد اخزيتني، يا نوهرا" فأجاب القديس:" فلتكن مخزياً الى الابد". فغضب الوالي وامر الجند بأن يسوقوه الى السجن مكبلاً بالقيود، وكان بعض تلاميذه قد جحدوا الايمان خوفاً من العذاب، فأخذ القديس يناشدهم فتأثروا جداً واعترفوا بكونهم مسيحيين وكانوا نحو اربعين جندياً فقتل الكفار بعضهم وسجنوا الآخرين، اما القديس نوهرا فادخلوه في خشبة فتخلعت رجلاه وتكسرت اضلاعه وهو صابر. ثم طرحوه في السجن.

وبعد ايام دخل عليه وزير الملك، فابتدره القديس هاتفاً:" انا مسيحي". فدهش الوزير من شجاعته وصبره. فسأله من اين انت وما مهنتك ومن هم اهلك؟ فلم يلق الا الجواب نفسه " انا مسيحي" وعندها قطعوا رأسه وفاز باكليل الشهادة. في اواخر القرن الثالث. وقد اختلف المؤرخون في مكان استشهاده. ومن التقليد انه استشهد في قرية أسمر جبيل في بلاد البترون حيث كان هيكل للاصنام دخله وحطم اصنامه كما سبق. صلاته معنا. آمين!

           

اليوم الثالث والعشرون

تذكار الشهيد ابوليناريوس اسقف رافنّا

من انطاكية، آمن بالمسيح على يد القديس بطرس الرسول وتتلمذ له وسار معه الى روما، فرسمه الرسول اسقفاً وارسله الى رافنَّا في ايطايا. ولم يكن له كرسي في اسقفيته، فنزل ضيفاً على جندي هناك، وكان للجندي ولد اعمى، فشفاه القديس بصلاته، فآمن الجندي واهل بيته، واعتمدوا. وشفى هذا القديس امرأة احد اعيان المدينة من مرض عضال، فآمنت هي وزوجها وجميع ذويها. فقدموا له داراً اقام فيها يعظ الناس ويشفيهم من امراض النفس والجسد. فحنق عليه كهنة الاصنام وشكوه الى والي المدينة، فاستحضره فجاهر بايمانه بالمسيح. ولما رآه الوالي مصراً على ايمانه، تركه بين ايدي الكهنة، فانهالوا عليه ضرباً بالعصي ورشقوه بالحجارة، حتى اغمي عليه فتركوه، ظناً منهم انه قد مات. فحمله المسيحيون ووضعوه عند ارملة، كانت تعتني به الى ان شفي. فاستأنف عمله الرسولي وآمن على يده كثيرون، فازداد حنق الوثنيين عليه، فأهانوه وعذبوه ثم طردوه من المدينة فاختبأ مثابراً على الصلاة.

ثم عاد الى اسقفيته في رافنَّا، يعنى برعيته مبشراً بكلمة الله. واقام من الموت ابنة احد الاشراف، فآمن لذلك كثيرون. فألقى القبض عليه نيرون الملك وامر بجلده حتى تهشم جسده وسالت دماؤه.

ثم نفوه الى بلاد اليونان، فطاف مبشراً بالمسيح ورد كثيرين الى الايمان الحق بما اجراه الله على يده من المعجزات.

وعاد الى اسقفيته رافنَّا، وبينما كان يقيم الذبيحة الالهية، وثب عليه الوثنيون واستاقوه الى الوالي وكان لهذا ابن اعمى، فشفاه القديس بقدرة الله، فآمن عدد وافر من الحاضرين. وامتنع القاضي من الحكم عليه، فأقصاه. ثم افرج عنه فرجع الىاسقفيته يواصل اعماله الرسولية. وما عتم ان انهال عليه الوثنيون بالضرب وتركوه بين حي وميت، فعالجه المسيحيون فعاش سبعة ايام صابراً على آلامه. ثم رقد بسلام سنة 79. صلاته معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار فوقا الشهيد

نعلم انه عاش في ايام الرسل. رُسِم اسقفاً على مدينة سينوبي، في البُنُطوس، واشتهر في الشرق والغرب.

وفيما كان يدبر ابرشيته ويحنو على رعاياه ويبشر بالمسيح بغيرة لا تعرف الملل، قبض عليه والي البلاد وكلفه ان يضحي للاوثان فأبى واعترف بايمانه بالمسيح فأنزل به الوالي اعذبة قاسية، منها انه انزله في اتون نار مضطرم فكان صابراً يشكر الله ويترنم بتسبحة الاطفال الثلاثة في اتون بابل. فحدثت زلزلة قوية طرحت الوالي وجنوده صرعى لا يعون على شيء. فرق لهم القديس وتضرع الى الله من اجلهم فعادوا الى رشدهم مندهشين من هذا الحادث العجيب ومن شفقة القديس عليهم. عندئذ ترك الوالي الشهيد وشأنه، فرجع الى ابرشيته يواصل جهاده واعماله البطولية.

ثم قبض الوالي ثانية على القديس فوقا. ولما ابى ان يضحي للاوثان امر به فعذبوه بقساوة بربرية، وطرحوه في حمام مشتعل ناراً فاستمر ثلاث ساعات معتصماً بالصبر وبالصلاة الحارة الى ان فاضت روحه الطاهرة عام 115. فكان ضريحه ينبوع نعم ومعجزات. للقديس يوحنا فم الذهب خطاب بديع في مدحه يوم نقل ذخائره من النُنطوس الى القسطنطينية. وعلى اسم القديس فوقا كنائس عدة في لبنان منذ القرن السادس. صلاته معنا. آمين!

            

اليوم الرابع والعشرون

تذكار الشهيدة خريستينا

ولدت خريستينا في مدينة صور اللبنانية في اواخر القرن الثالث من عيلة وثنية. وكان ابوها اوربانوس حاكم المدينة شديد التعصب لوثنيته، يضطهد المسيحيين وينكّل بهم. فلما رأت ابنته ما يحتمله المسيحيون من العذابات المرة وهم ثابتون في ايمانهم، تأثرت جداً ومستها النعمة الالهية، فنبذت عبادة الاصنام وآمنت بالمسيح وشغفت بمحبته وتعاليمه، فاعتمدت، خفية عن ابيها.

وكان ابوها يخشى عليها من مخالطة الناس، فجعلها في حصن ووفر لها اسباب الراحة، ووضع لديها اصناماً من فضة وذهب لكي تتعبد لها. أما هي فحطمت تلك التماثيل حباً للمسيح. فغضب ابوها ووبخها، فأجابت بكل سذاجة: ان الاصنام ليست بآلهة ولا فائدة منها. فتهددها بالعذاب والموت ان لم ترجع عن ايمانها وتكفر بالمسيح، فقالت، بكل شجاعة:" انت قادر، يا ابي، ان تعذبني وتعدمني الحياة، لكنك لا تستطيع ان تفصلني عن ايماني بيسوع المسيح وعن محبتي له".

حينئذ امر بها فضربوها بالسياط ومزقوا جسدها بمخالب من حديد حتى سالت دماؤها، والقاها في السجن. وفي الصباح مثلت امام ابيها وقد شفاها الله. فأمر ابوها بأن يعلق في عنقها حجر وتطرح في البحر. فخلصها ملاك الرب من الغرق. فأرجعها ابوها الى السجن ولشدة غيظه وكمده وُجِد، عند الصباح ميتاً في سريره.

فخلفه والٍ اسمه ديون، كان شراً منه. فاخترع لتعذيبها سريراً من حديد تحته نار تضطرم، فأتت الشهيدة من تلقائها وتمددت على ذلك السرير الناري، فلم ينلها سوء، بل كانت متهللة تسبح الله، فقادها الى هيكل الصنم ابولون لتسجد له، فأبت. عندئذ القوها في أتون نار ثم في بئر فيها حيات وعقارب، فصانها الله من كل أذى. لذلك آمن الجلادون، وهتفوا صارخين:" لا اله الا الذي يعبده المسيحيون". وماتوا شهداء.

فأمر الوالي بقطع ثديي الشهيدة، فصرخت:" ان الهنا في السماء. أما اوثان الامم فما هي سوى فضة وذهب صنع البشر". اخيراً علقوها على خشبة ورموها بالسهام فنالت اكليل الشهادة سنة 300 للمسيح. صلاتها معنا. آمين!

                 

اليوم الخامس والعشرون

تذكار القدجيسة حنه والدة مريم العذراء

ولدت القديسة حنه في بيت لحم من سبط يهوذا. تزوجت حنة بيواكيم، فاتحدت بزواجها ذرية الكهنوت بذرية داود. ولم يكفّ الزوجان عن التضرع الى الله ليرزقا ولداً، لانهما كانا قد طعنا في السن ولم يكن لهما ولد. ولما تقدم يواكيم بتقدمة الى الهيكل، رفضها الكاهن بداعي العقرية. فرجع يواكيم حزيناً، باكياً وتاه في البرية صائماً اربعين يوماً. وكانت حنة مواظبة على الصلاة. فظهر لهما ملاك الرب وبشرهما بان الله قد قبل صلاتهما. وانه يرزقهما بنتاً تكون اطهر النساء واشرفهن.

فنذرت حنة انها تكرس ثمرة احشائها لخدمة الرب. ثم حبلت بمريم العذراء بريئة من دنس الخطيئة الاصلية. وبعد تسعة اشهر ولدتها واسمتها مريم، ومعنى اسم مريم سيدة البحر، او المرتفعة.

وقد مدح القديسة حنة كثير من القديسين، ولا سيما القديس ابيفانيوس اسقف سلامينا في قبرص سنة 368. ومنذ ذلك الحين انتشر تكريمهما في الكنيسة.

وعلى اسم القديسة حنة ويواكيم كنيسة اثرية في عنايا تابعة لدير مار مارون، وهي الوحيدة في لبنان تدعى بهذ الاسم. آمين!

اليوم السادس والعشرون

تذكار البارّة بريجيتا الملكة

كانت بريجيتا من اسوج، شمالي اوروبا. وكان ابوها احد ملوك البلاد اسمه بيرجو. واسم امها سيفريد نسيبة ملوك الغُطط. كانا مشهورين بالتقوى والصلاح. ولدت عام 1302، عنيا بتربيتها على مخافة الله وحب الفضيلة.

ولما بلغت السادسة عشرة من عمرها، زوّجها ابوها من أميرِ نيريك، فاشتركت واياه في رهبانية مار فرنسيس. ورزقا ثمانية بنين، فاعتنت بتربيتهم احسن تربية وغرست في قلوبهم مخافة الله وروح الايمان الكاثوليكي الحي. ثم اقنعت زوجها بحفظ العفة. فانضوى الى رهبنة القديس مبارك، لكنه ما لبث ان توفي بنسمة القداسة سنة 1344. قبل ان يبرز النذور الرهبانية.

اما بريجيتا فاعتزلت في ديرٍ مدة سنة، ممارسة انواع الزهد والنسك. وعاشت ارملة ثلاثين سنة، لم تنزع المسح عن جسمها ولم ترقد الا على بساط دون غطاء. وتكتوي كل يوم جمعة بشمعة مضاءة اكراماً لآلام المسيح وتضع في فمها عشبة شديدة المرارة تذكاراً لما ذاقه الفادي الالهي من الخل والمر. ولم تكن تقشفاتها لتعوقها عن مباشرة اعمال الرحمة. فتعول كل يوم اثني عشر فقيراً، تخدمهم على المائدة. ويوم خميس الاسرار تغسل ارجلهم.

وقد أنشأت مستشفيات للمرضى تقوم هي بنفقاتهم. وبمساعدة العيلة المالكة، أنشأت جمعية دعيت باسمها انضوى اليها كهنة قانونيون وراهبات كثيرات. وقد استحقت ان يتجلى لها المخلص مراراً ويوحي اليها اوحية كثيرة قد روتها على مرشديها ومعرفيها فألفوا منها كتاباً ضخماً. وقد ساعدت كثيراً في ارجاع البابوات من أفينيون الى رومة. وزارت الاراضي المقدسة. وبعد زيارتها عادت الى رومة. وقبل وفاتها بخمسة ايام ظهر لها المخلص وانبأها بقرب نعيمها بالمجد الابدي. فرقدت بسلام في 23 تموز سنة 1373. وأحصاها البابا بونيفاسيوس التاسع في مصاف القديسات. واثبتها البابا مرتينوس الخامس سنة 1419. صلاتها معنا. آمين.

اليوم السابع والعشرون

تذكار القديس بنديلايمون (أسيا)

كان هذا البار من مدينة نيكوميدية. ابن رجل وثني وجيه. اما امه فكانت مسيحية، ماتت وهو صغير السن. فأتقن بنديلايمون درس الطب وبرع فيه. ثم تعرف بكاهن قديس اسمه ارمولاوس واخبره ان امه كانت مسيحية وانه هو وثني على دين ابيه. فأخذ الكاهن يرشده ويبين له ان خدام المسيح هم اطباء النفوس يرشدونها الى معرفة الحق، وهذا ما يعجز عنه اطباء الاجساد. فكان لهذه الامثولة تأثيرها في قلب بنديلايمون فاعتمدَ وهدى اباه الى الايمان بالمسيح اذ ارجع البصر لاعمى امامه. وحطم اصنامه، ثم توفي تاركاً لابنه بنديلايمون جميع ما يملك. فأطلق القديس عبيده وباع املاكه وتصدق بثمنها على الفقراء. وكان يطبب الفقراء مجاناً، ويرد الخطأة الى التوبة بصلاته، فأمه الناس افواجاً. فحسده الاطباء ووشوا به الى مكسيميانوس فاستحضره الى نيكوميدية، فوجده ثابتاً في ايمانه، فأمر بأن يعلق ويحرق بالمشاعل. فظهر له المسيح وشجعه وأطفأ النار عنه فسأله الملك: بأية قوة تصنع المعجزات؟ - اجاب القديس: بقوة يسوع المسيح الاله الحق. وان لم تصدق فأحضر كهنة اصنامكم وادع مريضاً وليستغيثوا هم باصنامهم. وانا استغيث بيسوع المسيح، فالاله الذي يشفي المريض يكون هو الاله الحقيقي. فأتوا بمخلع. فقدم كهنة الاصنام الذبائح واخذوا يستغيثون بالههم فلم يكن من يجيب. ثم جاء القديس وصلى على المخلع واخذه بيده وقال له:" قم باسم يسوع المسيح" فقام لساعته ومشى، فدهش الحاضرون، وآمن منهم كثيرون. اما الاطباء وكهنة الاصنام فازدادوا حنقاً وغيظاً وقالوا للملك: ان لم تهلك هذا الكافر بطلت عبادتنا واضمحلت معبوداتنا. فأمر بان يبسط الشهيد على آلة مسننة باظفار من حديد مزقت لحمانه وهو صابر يشكر الله. ثم القوه في مرجل مملوء رصاصاً مذاباً فحفظه الرب وجمد الرصاص. ثم طرحوه للوحوش فآنسته وربضت عند قدميه كأنها حملان. فأمر الملك بقطع رأسه فنال اكليل الشهادة في السنة 303. صلاته معنا. آمين!

             

اليوم الثامن والعشرون

تذكار الشهيدة انتوسا

كانت هذه البارة في ايام الملك قسطنطين الزبلي محارب الايقونات، راهبة في احد ديورة القسطنطينية، وكانت رئيسة على نحو تسعمئة راهبة. وقد اشتهرت بقداستها وغيرتها على تكريم الايقونات. فطلبها الملك واخذ يتملقها ويتهددها لتقلع عن عبادتها للايقونات، فلم تذعن له، بل وبخته بكل جرأة على كفره. فغضب الملك وامر بتعذيبها فحموا بالنار ايقونات من نحاس ووضعوها على رأسها وتحت قدميها، فلم تؤذِها. فجلدوها جلداً قاسياً، فلم تتزعزع عن عزمها وايمانها. فحكم الملك الظالم بالنفي، فكانت في منفاها معتصمة بجميل الصبر، عاكفة على ممارسة الفضائل، فمنحها الله موهبة صنع المعجزات فردت كثيرين الى معرفة الحق والتمسك بتكريم الصور المقدسة لان اكرامها يعود الى من تمثلهم. وبمثل هذه المبرات رقدت بالرب سنة 760. صلاتها معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار المجمع السادس المسكوني المقدس

عقد هذا المجمع المسكوني المقدس في القسطنطينية، في ايام البابا اغاتون (618 – 681) والملك قسطنطين الليحاني التقي. وكان الداعي الى انعقاده، ازالة الانقسام بين الكنيسة الشرقية والغربية الذي سببته بدعة المشيئة الواحدة. وكان عدد آباء هذا المجمع مئتين وخمسة وثمانين اسقفاً وارسل اليه البابا نوابا ثلاثة يمثلونه فيه.

وقد حضر هذا المجمع الملك قسطنطين بنفسه وكان من المدافعين عن المعتقد الكاثوليكي. مسانداً نواب البابا. وبعد البحث والجدال، اتفق آباء المجمع على المعتقد الصحيح بالمشيئتين الالهية والبشرية في السيد المسيح. ولم يبق متشبثاً بالبدعة سوى مكاريوس بطريرك انطاكية وكاهنه اسطفانوس. فحرم المونوتيلية وجميع القائلين بها وحدد ان في الكلمة المتجسد مشيئتين وطبيعتين.

وقد اثبت البابا لاوون الثاني اعمال هذا المجمع (682 – 683). واقام المجمع على كرسي انطاكية تاوافانوس بدلاً من مكاريوس.

اما آباء الكنيسة الانطاكية والاورشلمية، فلم يتمكنوا من الذهاب الى هذا المجمع، لان العرب كانوا قد استولوا على بلادهم وقطعوا كل علاقة بينهم وبين القسطنطينية. وقد اصدر الملك قسطنطين منشوراً خاصاً بقرارات المجمع الى الكنائس الكائنة تحت حوزته ما عدا الواقعة تحت حكم العرب ولهذا بقيت احكام هذا المجمع مجهولة عندهم وعند الموارنة الذين كانوا متمسكين بمعتقد الكنيسة الرومانية الصحيح منذ زمان هرقل رافضين البدعة المونوتيلية وضلالها. آمين.

اليوم التاسع والعشرون

تذكار البارة مرتا أخت لَعازر

 ولدت هذه البارة في بيت عنيا القريبة من اورشليم. وقد ذكرها لوقا البشير قال:" وفيما هم سائرون دخل يسوع قرية فقبلته امرأة اسمها مرتا في بيتها. وكانت لهذه اخت تسمى مريم قد جلست عند قدمي يسوع، تسمع كلامه. وكانت مرتا مرتبكة فيشتى شؤون الخدمة فوقفت وقالت: يا رب، أما يعنيك ان اختي تركتني اخدم وحدي، فقل لها تساعدني. فأجاب الرب وقال لها: مرتا، مرتا، انك مهتمة ومضطربة في امور كثيرة اما المطلوب فواحد" (لوقا 10: 38- 41).

كانت مرتا اذن تضيف يسوع في بيتها وتبالغ باكرامه واجلاله. وعند موت اخيها وقدوم يسوع قالت:" لو كنت هنا لم يمت اخي!" فقال لها يسوع:" سيقوم اخوك". فقالت له مرتا: انا اعلم انه سيقوم في اليوم الاخير. فقال لها يسوع:" انا القيامة والحياة، من آمن بي وان مات فسيحيا... أتؤمنين بهذا؟ فقالت نعم با رب، انا مؤمنة انك انت المسيح ابن الله الآتي الى هذا العالم" (يوحنا 11: 20-27). ومضوا الى القبر، فقال لها يسوع: ارفعوا الحجر، فقالت مرتا: يا رب، قد أنتن، لان له اربعة ايام. فقال لها يسوع ألم أقل لك ان آمنت سترين مجد الله؟ (يوحنا 11: 39و40).

وبعد ان اقام يسوع لعازر اخاها من القبر. لحقت مرتا به وتتلمذت له الى ان رقدت بالرب نحو عام 84. صلاتها معنا. آمين.

وفيه أيضاً: تذكار حزقّيال النبي

هو من الانبياء الاربعة الكبار: آشعيا وأرميا وحزقيّال ودانيال.

ولد نحو سنة 624ق.م. في اليهودية. وفي عمر 26سنة حاصر نبوكدنصّر اورشليم وافتتحها واخذ الملك يوياكين أسيراً مع رهط من القّواد والكهنة، وكان جزقّيال بينهم، سنة 598ق. م. أقام في بلاد بابل. دعاه الله الى الخدمة النبويّة، فقام بأعبائها بين اليهود المسبيّين طيلة 22 سنة. فكان كاهناً ونبيّاً ومرشداً غيوراً.

ومات في بلاد السبي، بعد أن تنبّأ عن خراب اورشليم. وكانت وفاته في القرن السادس قبل المسيح.

سفر نبوءاته هو مزيج من سمّو المعاني وحنان القلب وجمال الانشاء والشعر الصافي.

رؤيا المركبة التي أُخِذَت عنها رموزُ الانجيليين الأربعة هي في حزقيّال (1: 4-11).

ورؤيا رعاة اسرائيل الكسالى المبدولين برعاة صالحين هي من قلمه (فصل 34).

ورؤيا العظام التي ترمز الى قيامة المسيح فقيامة الموتى هي من سفره (37: 1-15).

ثمّ رؤيا العُودَين والمملكة الواحدة والمَلِك الواحد الرامزة عن كنيسة المسيح (37: 15).

صلاة النبي حزقيّال تكون معنا. آمين.

                 

اليوم الثلاثون

تذكار الشهيدين عبدون وسنين

كان هذان الشهيداين شقيقَين من بلاد فارس، شريفَي الحسب، امتازا بتمسكهما بالايمان المسيحي، حتى كانا في الاضطهاد الذي اثاره داكيوس قيصر يشددان عزائم المؤمنين ويدفنان الشهداء. وقد دفنا القديس بوليكربوس اسقف بابل ورفاقه بكل احترام، بعد ان قتلهم داكيوس ونهى عن دفنهم.

فاستحضرهما الملك بصفتهما من الاشراف وقال لهما:" اني اتغاضى عن عملكما المستوجب الموت، لكن احجدا مذهب المسيحيين، واعبدا آلهة المملكة وقدما لهما البخور، فأعفو عنكما". فرفضا بكل جرأة. فغضب الملك ولم يجسر على قتلهما لانهما من اعيان البلد فأمر بطرحهما في السجن مكبلَين بالقيود.

ولما عاد من حرب الفرس استحضرهما امام الندوة وجمع غفير من الشعب وقال لهما:" اني اعيدكما الى ما كنتما عليه من المنزلة الرفيعة، بل ازيدكما رفعة ومقاماً، اذا سجدتما للآلهة". فأجاباه:" اننا مستعدان لان نضحي بحياتنا لاجل يسوع المسيح فادينا الالهي". حينئذ اسلمهما الى فاليريان الوالي، فقادهما هذا الى تمثال الشمس ليسجدا له، فلم يحفلا بالامر، بل صرحا قائلين:" ليعلم الجميع اننا نرفض عبادة الاوثان. وان الاله الذي نعبده ليس مخلوقاً نظير آلهتكم، بل انما هو الخالق نفسه". فأمر الوالي بجلدهما حتى سالت دماؤهما وهما صابران. ثم القوهما الى اسدَين واربعة ذئاب لتفترسهما، فآنستهما ولم تمسّهما بأذى. حينئذ امر بقطع رأسيهما فتكللا بالشهادة سنة 250 في 30 تموز. صلاتهما معنا. آمين.

         

اليوم الحادي والثلاثون

تذكار الشهداء رهبان مار مارون

كان هؤلاء الرهبان يقطنون اديار سوريا الشمالية قرب لبنان الشمالي. وكانوا شديدي التمسك بالمعتقد الكاثوليكي وفقاً لتعليم المجمع المسكوني الرابع الخلكيدوني المنعقد سنة 451 القائل بان في المسيح طبيعتين الهية وانسانية ضد اوطيخا واتباعه.

فقام عليهم ساويرا بمساعدة الملك انسطاس الذي كان نصبه بطريركاً على انطاكية. فقتل ثلاثمئة وخمسين راهباً وكثيرين غيرهم من الرهبان والاساقفة في السنة 517 فرفع اخوانهم الاحياء عريضة الى الحبر الروماني البابا هرميسدا (514 – 523). يبينون له كيفية استشهاد اخوانهم هؤلاء. وما ألحقه بهم من الاضرار البطريرك ساويرا ورفيقه بطرس القصار واتباعهما.

فأجابهم البابا برسالة مؤرخة في السنة التالية اي سنة 518، فيها يعزيهم ويحثهم على ان يقاوموا بشجاعةٍ الاضطهاد. وقد اثبت المؤرخون وأخصّهم تاوافانوس وتاوافيلوس الرهاوي الماروني حقيقة اضطهاد ساويرا للكاثوليك ولا سيما الرهبان وقتله عدداً وافراً منهم، مشيرين بذلك الى هؤلاء الرهبان الشهداء الثلاثمئة والخمسين. ومنذ القديم تعيّد الطائفة المارونية لهم، معتبرة اياهم اجدادَها وشفعاءَها المستجابين لدى الله. وقد عمم البابا بنديكتوس الرابع عشر لجميع كنائس الطائفة الغفران الذي كان قد منحه البابا اكليمنضوس الثاني عشر سنة 1734 لكنائس الرهبان الموارنة. صلاتهم معنا. آمين!