Text Size
Saturday, September 23, 2017

الطوباوية إليصابات للثالوث الكرملية

الطوباوية إليصابات للثالوث الكرملية 

كرمل ديجون – فرنسا  1906-1880

عيدها في 21 تشرين الثاني

 

 

مقدمة 

 

من بين القديسين الذين مارسوا تأثيراً خاصاً على حياة البابا يوحنا بولس الثاني الروحية ودعوته الكهنوتية ورسالته، يذكر البابا الطوباوية إليصابات للثالوث الكرملية التي أعلنها طوباويةً في 25 تشرين الثاني 1984 ومعلّمةً في الحياة الروحية الداخلية لأخواتها الكرمليات ولجميع الرجال والنساء في عالمنا الحاضر الذي ينتظر شهادة الذين اختبروا فعلاً وحقيقةً حضور الله في حياتهم.

 

أهمّ الأحداث في حياة الطوباوية إليصابات للثالوث:

 

ولدت إليصابات ابنة جوزف كاتيز Catezوماري رولان في فرنسا  في 18 تموز 1880، وقبلت سر المعمودية يوم 22 منه. بعد أن انتقلت عائلتها الى مدينة ديجون قرب دير الكرمليات المحصّنات، مات والدها وهي لم تكن قد بلغت الثامنة من عمرها. وقد أثّر هذا الحدث الأليم في شخصيتها وستتذكره لاحقاً في قصيدة أهدتها الى والدها (بعد عشر سنوات). كان لمناولتها الأولى الأثر الكبير والمصيري على حياتها بكاملها، فقد زارت إليصابات في اليوم عينه الراهبات الكرمليات حيث التقت الأم مريم ليسوع رئيسة الدير التي شرحتها لإليصابات المعنى المميز الذي يحمله اسمها: بيت الله. وقد أهدتها صورةً فيها تصفها ببيت الله الصغير. من هنا انطلقت الشرارة الأولى لدعوة اليصابات وروحانيتها التي طبعت حياتها بكاملها. ففي مرحلة الطفولة تميزت بطبعها الحاد والقوي المسيطر لدرجة دفعت والدتها الى أن تصفها بالشيطان، وهكذا أيضاً الكاهن الذي رافقها في التحضير للقربانة الأولى إذ قال أنها ستكون "أو قديسة أو شيطاناً". في الرابعة عشرة من عمرها تقربت أكثر من الكرمل ونذرت ذاتها ليسوع وبدأت بتأليف الأشعار بعد أن برعت في الموسيقى وحازت على جائزة في العزف على البيانو. في السابعة عشرة من عمرها أعربت لوالدتها عن رغبتها بدخول الكرمل، وكانت الوالدة متفهّمة لكنها أرادتها أن تنتظر حتى السنة الواحدة والعشرين من عمرها، وهذا لم يزعج إليصابات، وقررت الإنتظار حتى قُبِل طلبها للدخول الى الكرمل من قبل الأم مريم ليسوع سنة 1899

تقول بعد عودتها من الدير: حققت كل أملي

مع الرئيسة الصالحة القديسة

التي سأذهب للقائها غالباً من الآن فصاعداً.(قصيدة 71)

وتتابع في قصيدة أخرى، بعد اسبوعين في 15 تشرين الأول/أكتوبر  1899)

لم أكن إلاَّ طفلة،/ يا يسوع، حين دعوتني إليك./كنتُ أريد وراء المصبَّعة/ الاحتجاب والرد على ندائك.

آه، كم تألمت، كم بكيت!/ يا للعذاب الذي كان علي تحمله!/ أنتَ وحدك، يا إلهي، رأيت دموعي تسيل/ أنتَ وحدك أيضاً مَنْ خفف همومي.

سنوات عديدة مضت/ منذ النداء الحنون والإلهي؛/ لستُ قط في الكرمل/ بين النفوس المصطفاة.

إذ لا أحيا في الدير أبداً / آه، على الأقل أنا ابنته منذ الآن/ بغبطة أتردد إليه غالباً/ إن كان إلى المُتحدَّث، أو في المعبد.

أنا طالبة الكرمل الصغيرة     / وقليل من الانتظار أيضاً،/ ثم سيسطع أخيراً اليوم الشديدُ الجمال/ الذي ينبغي أن يوحدَني بالله للأبد.

في 2 آب 1901 كان الموعد الذي شفى غليل الحب الكامل والتوق الى القداسة في عزلة الكرمل. وفي الثامن من كانون الأول اتشحت بالثوب الرهباني الكرملي وأُعطيت اسم إليصابات للثالوث. في 11 كانون الثاني سنة 1903 أبرزت النذور الرهبانية البسيطة. وفي 21 تشرين الثاني 1904 ألّفت صلاتها المشهورة: الى الثالوث الأقدس

في آذار 1906 وأُدخِلت غرفة المرضى في كرمل ديجون حيث أتلفها الألم بسبب مرض الإديسون، فقبلته حباً وازدادت استعداداً للألم الأكبر...

 

المسيرة الروحية:

 

هذه المسيرة الروحية التي بدأت منذ طفولتها التي حملت مع قوة الشخصية وجرأة الطفولة، عمق الحب والعاطفة البنوية للأهل، وذاك الإيمان الذي وجد له أساساً في تربية بيتية مميزة، انتهت دون أن تمر بخوارق وعجائب،  بقداسة جذابة. فإليصابات للثالوث لم تتلقَّ علومًا جامعية، ولا ثقافة إنسانية عالية، ولا دروسا  فلسفية أو لاهوتية، بل كانت ثقافتها متوسطة عادية. ومع ذلك فقد دأبت على المطالعة والكتابة باجتهاد شخصي، من خلال تأملاتها وحبّها للتواصل مع الأهل والأصحاب والمعارف. لذلك جاءت كتاباتها نتيجة خبُراتِها الشخصية الصوفية، ونتيجة عزمٍ على إيصال اختبارها بروحٍ رسولية مميزة، لجميع الراغبين في الدخول في هذه المغامرة: مغامرة الحب مع يسوع.



"إنها البساطة التي تمجد الله وتُسبِّحه... إنها هي من تنقلنا إلى العمق حيث يسكن الله"(السماء في الإيمان،21)

مصادر اختبار إليصابات وكتاباتها قامت بشكل مميز على الكتاب المقدس وخاصة إنجيل يوحنا الحبيب ورسائل القديس بولس. فهذان القديسان يمثّلان الأسس والدعائم في كل ما كتبت وفهمت. إنها الأنوار التي أضاءت لها طريق الكمال، وأنارت جميع تأملاتها في كرمل ديجون. ثمّ لا ننسى عمل النعمة في النفس التي تبقى مستعدةً لأن تتجاوب معها تماما كالحقل المزروع الجاهز دوما لتقبّل المطر المنعش والمُنَمِّي والمحيي. بالإضافة الى ذلك نذكر تعاليم القديسين يوحنا الصليب وتريزا ليسوع الأفيلية اللذين كانا ركيزةً أساسية في ثقافة إليصابات الروحية واختباراتها وطاقتها على التمييز. لكن هذه المرجعية لا تطغى على أوليّة الإنجيل كمصدرٍ أساسي لكل اختبار مسيحي وروحي سليم.

إنها الروحانية الإنجيلية البسيطة التي دشّنها المسيح وعاشها وعلّمها:"أحمدك يا أبتِ ربّ السماوات والأرض لأنك أخفيت هذه الأشياء عن الأذكياء والحكماء وكشفتها للأطفال".(لوقا 10/21)

إنها الدعوة  إلى القداسة: "كونوا قديسين لأني أنا الربّ إلهكم قدوس".(أحبار 19/2)

هذه القداسة المميزة نجد خلفها شخصية ذات ارادة قوة لا ترضى بالمحدود في اطار الرغبة، بل القداسة هي رغبة في اللامحدود، وفي حضرة الله تترجِم إليصابات تجاوبها الكامل في اطار:

·         الرغبة حيث ("الحب ينادي الحب")

·         والقبول والتجاوب (يعني "نعم" لإظهار شدة "الحب". "نعم" بالرغم من المظاهر المُضادة، الذل والامحاء)،

·         والثقة ("في الأوقات التي لاتشعرين خلالها إلاَّ بالانسحاق والعياء، فأنتِ سترضينه أكثر إذا ما بقيتِ أمينة على الاعتقاد أنَّه لا يزال يعمل فيك، وأنَّه يحبُّك مع  ذلك") (استرسلي في الحب)

·         والاستسلام الكامل: (التجرد، والموت عن الذات والاختفاء عن الأنظار. قبول الألم، ليس على الاطلاق كألم، بل كفرصة للإجابة عن شدة الحب بحبٍ شديد.)

·         والإصغاء الكامل والمتنبّه: ("أن أمضي حياتي، يا أيُّها "الكلمة"، صاغية إليك، وأن أكون هذه المُجتاحة التي لا تعود تعرف شيئاً غير أن تحب"؛ أريد أن اجعل نفسي كُليَّة التعلم، كي أتعلم كل شيء منك)

·         والطاعة: ("كم أحبُّه هذا القانون الذي هو إطارٌ يريدني في نطاقه أن أكون قديسة")

·         والشكر والتسبيح والعبادة والسلام والفرح.

هذا هو ما تحمله من جواب إليصابات أمام الله الحي "المحب". ها هو ما كانت تريد قوله عندما كتبت: لنبادل إلهنا حُباً بحب. لقاءٌ، في إمكاننا أن ننعته، هو أيضاً، باللامحدودية... هي تتمتع غالباً بقدرة وبواقعية فائقتين. لقد استمدتها من الكتاب المُقدَّس ومن مؤلفيها المفضلين. وهذه اللامحدودية لم تمنع إليصابات من الدخول في السر، حيث يلتقي الله والإنسان: لقاء غمرين. غمر "لاقعر له"، كما كانت تحب تحديد ذلك بدقة. غمر "حب" الله، وغمر عدمنا أو غمر شقائنا: لقاء المحيط مع قطرة ماء: "أتلاشى فيه كقطرة ماء في المحيط"؛ لقاء نار مع الحطب. لقاء الشمس بالبلور. لقاء العازف بالقيثارة، الذي يضرب على أوتارها نشيداً هو "التسبيح بمجده". لقاء النسر أو العقاب مع فريسته: "أستسلم إليك كفريسة"....هذا اللقاء "في الحب" نتيجته التحوّل والحب المستمر والذوبان.

إن خطيبي جميل جداً يا أمي، وأنا أحبه بولع وبحبه أتحوَّل فيه. ثم، هذا أمر طيِّب للغاية، فهو معي دائماً ويذيبني في الوحدة معه، ونحن نحب بعضنا كثيراً! آه، بدون ذلك لكنت لا أزال معك!(رسالة 130 الى والدتها)

 

السماء على الأرض؟

 

ان العيش بشكل مستمر في حضور الله، في عزلة الكرمل، جبل الرب، هو توجّه مستمر نحو الحاضر الحقيقي الحي "حيٌ الرب الذي أنا واقف في حضرته"(النبي إيليا)، هذا اختبار، تبوح به إليصابات، وليس سهلاً العبور اليه بدون إيمانٍ حي. فهي تقول في احدى رسائلها [1] :

آه نعم، يا سيدتي العزيزة، لنحيا مع الله كما لو كنا نحيا مع صديق، ولنجعل إيماننا حيَّاً كي نشترك معه عبر كل شيء، فإن هذا ما يصنع القدِّيسين. نحن نحمل سماءنا فينا، لأن الذي يشفي غليل الممجدين في نور الرؤيا، يعطي نفسه لنا في الإيمان والسرِّ، إنه هو نفسه! يبدو لي أنني وجدت سمائي على الأرض، لأن السماء هي الله والله هو نفسي. في اليوم الذي فهمتُ هذا، صار كل شيء مُنَوَّراً في نفسي وأريد أن أبوح بهذا السرَّ إلى الذين أحبهم بصوت هامس ليكونوا هم أيضاً متحدين بالله دائماً عبر كل شيء، لكي تتحقق صلاة المسيح هذه: "يا أبتِ، ليبلغوا كمال الوحدة" (يوحنا17/23).

وتتكلم مع عمتها في رسالة أخرى: " ...يزداد اقتناعي أكثر فأكثر بأن المصبَّعات لم تفرقنا قط، وبأن النفوس المتحدة جيداً في الله الذي هو الصلة والموعد، تعرف أين تلتقي دائماً... " ، "...بالنسبة إليَّ، لقد وجدت سمائي على الأرض، في عزلتي العزيزة بالكرمل، وحيث أنا وحدي مع الله وحده. أقوم بكل شيء معه، كذلك أذهب إلى كل شيء بفرح إلهي؛ أجد كل عمل طيباً ولذيذاً، فأن أكنِّس وأشتغل وأتضرع، فذلك سواء عندي، لأنني أرى مُعلِّمي في كل مكان!"

"....يجب أن تبني، مثلي أنا، صومعة صغيرة في داخل نفسك؛ ستتصورين أن الله هناك، وستدخلينها بين الحين والآخر؛ عندما تشعرين بالتوتر والتعاسة، أهربي بسرعة إلى هناك، بوحي إلى المعلم بكل ذلك. آه، لو كنت تعرفينه قليلاً، فلن تضايقك الصلاة بعدها؛ يبدو لي أن الصلاة هي راحة وارتياح: نأتي إلى الذي نحبه بكل بساطة، نمكث بالقرب منه كطفل صغير بين ذراعي أمَّه، ونترك قلبه على سجيته. كنت تحبين للغاية أن تجلسي قريبة جداً مني، وتبوحي إليَّ بأسرارك. إنه بهذا الشكل يجب الذهاب إليه، ولو كنت تعلمين كم يفهم جيداً... فقد لا تعودين تتألمين على الإطلاق إذا ما فهمت هذا. هذا هو سرّ الحياة في الكرمل: حياة الكرملية هي شركة مع الله، من الصباح حتى المساء، ومن المساء حتى الصباح. لو لم يكن يملأ صوامعنا وأديرتنا [2] ، آه! كم كان الفراغ سيعم. لكن نحن نراه عبر كل شيء، لأننا نحمله فينا، وحياتنا هي سماء مسبقة. إنني أطلب إلى الله أن يُعلِّمك كل هذه الأسرار وأن أحفظك في صومعتي الصغيرة؛ من جهتك إحفظيني في صومعتك، هكذا لن نترك بعضنا البعض أبداً. أحبك جداً، يا فرامبوازي، وأريدك صالحة كلياً، وفي سلام أولاد الله تماماً.

 

الدعوة الثالوثية

 

(التوجه الخالص نحو الثالوث الأقدس: القرب الدائم من النبع)

منذ دخولها الكرمل لاحظت الأخت التي كانت ترعاها روحياً أنها تعيش في العزلة والصمت والصلاة، مبتسمة  ومنتبهة الى "الثلاثة" ثالوثها الحبيب. كان ثالوثها فيها وهي فيه، الى أن التقت بالأب  فاليه Vallée الذي شرح لها "سر الثالوث الساكن فينا" كما كانت تحياه، لكن اليوم، مع اسمها الجديد "للثالوث" ستجد دفعاً جديداً لكي تحيا رسالتها الجديدة ودعوتها المميزة. كانت أليصابات قد التقت الأب فالية( [3] )، للمرة الأولى، وهو رئيس الدومينيكانيين في ديجون، وواعظ كان له تقدير كبير في الكرمل. كانت محادثتها الطويلة مع هذا الأب الذي تجدد لقاؤها به عدة مرات قبل دخولها الكرمل وقد شجعها بشدة على الإيمان بالله "الكلي الحب"، الذي يسكن فيها.

أيها الروح القدس، الحلاوة والجمال الفائق\ يا مَنْ أعبده، يا مَنْ أحبه!\ أتلف بنيرانك الإلهية،

هذا الجسد، وهذا القلب، وهذه النفس !\ عروس الثالوث هذه\ التي لا تصبو إلاَّ لمشيئته ! (القصيدة 54)

عاشت إليصابات للثالوث حياة روحية ترتكز بشكل خاص ومميز على اختبار هذا الإتحاد بين الثالوث الأقدس والإنسان، "اتحاد الحب"، حيث يدخل الثالوث في علاقة اتحاد معطياً ذاته وعاملاً في الإنسان (إليصابات) مثيراً فيه الإندفاع نحو الإجابة على الدعوة. وهذه الإجابة تحدث في كامل كيانها. وهذا يعني أن نفهم العملَ المقدِّس للثالوث في الإنسان وحضوره وكيفية تواصله مع الإنسان والوسائل والطرق التي يحدث من خلالها السر. وكذلك الجواب من قبل الخليقة ووحدة الحب ونتائج هذا الإختبار على صعيد الحياة الكنسية.

في كل هذه الأمور وعندما نقرأ رسائل إليصابات التي تعبّر فيها عن تفاصيل اختباراتها الروحية اليومية، نجد فيها فعلاً، كما وصفها البابا يوحنا بولس الثاني، معلمة في الحياة الباطنية.

 

"تسبحة مجد": نحو تسبحة مجد الثالوث الأقدس:

 

لقد اختارت إليصابات اسماً جديداً يعكس حقيقة رسالتها في الكرمل. ففي كل مرحلة جديدة كانت تكتشف نبرات جديدة تربط العروس بعريسها يوحيها لها المسيح فتركض نحوه دون خوف وتحمله مثل السامرية الى الآخرين. ما يلفت انتباهنا في اختبارات إليصابات العمق اللاهوتي والبساطة الإنجيلية:

...أن تكرسني إلى قوة محبته كي أكونَ حقيقة "المُسبِّحة بمجده"؛ قرأتُ ذلك عند القديس بولس وفهمتُ أنها كانت دعوتي منذ المنفى في انتظار القدوس الأبدي (من رؤيا4/8).( إلى الأب شيفينيار رسالة 250)

سأبوحُ إليك بسرّ حميم جداً: حُلُمي، أن أكونَ "التسبيح بمجده" (أفسس 1/ 12(الرسالة 256 الى الكاهن أنجلز)

"...ربما تقُولين لي: كيف نمجِّدُه؟ هذا أمرٌ بسيطٌ فعلاً. إن ربنا يعطينا سر تمجيده عندما يقولُ: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني"(يوحنا4/34). ثابري إذاً، سيدتي العزيزة، على العمل بمشيئات هذا المُعلم الإلهي، أنظري إلى كل ألم، كذلك إلى كل فرح كأنه صادر عنه مباشرة، وعندئذٍ ستكون حياتك كمناولة مستمرة، لأن كل شيء سيصبح كَسِرٍّ يعطيك الله إياه. (رسالة 264)

...عندئذٍ ستُصبحين "المسبحة بمجده"، هذا ما حلمتُ أن أكونه على الأرض. أنت مَن ستحلِّين مكاني؛ أنا سأكون  "مسبحة بمجده" أمام عرش "الحَمَل" وأنت "مسبحة بمجده" في مركز نفسك.(الى اختها غيت)

أنا بحاجة أيضاً إلى أن أسألك صلاتك، يا أبي، حتى أكونَ أمينة كلياً، مُتيقظة كلياً، وحتى أتسلقَ دربَ جلجلتي كعروس للمصلوب. "هؤلاء الذين اختارهم بسابق اختياره، أعدهم أيضاً ليكونوا على مثال صورة ابنه الإلهي" (رومية 8/29). آه! كم أُحب فكرة القديس بولس العظيم هذه! إنها تُريحُ نفسي. أعتقدُ أنه في حبه الشديد، عرفني، دعاني، بررني، وفي انتظار أن يمجِّدَني (من رومية 8/30)، أريدُ أن أكونَ المُسبحة بمجده (أفسس 1/12) باستمرار. إسأله هذا، يا أبي، لأجل ابنتك الصغيرة. (رسالة 304)

ان سر إليصابات هو أنها فهمت وعاشت سر الحضور منذ مرحلة الشباب وقبل أن تدخل الكرمل، وغاصت بشكل واضح في التمرّس في العيش بحضور الله، قبل أن تدخل قفص الكرمل. من خلال هذا الحضور الذي غلّف كيانها نرى نمو الفضائل الإلهية بشكل يلفت الإنظار...

لم يكن هناك شيء قادر على خرق هذا الحضور وتضييعه على إليصابات، لا الألم، ولا جمال العالم، ولا عتمات الإختبارات والموت، ولا الطموحات... اذ كان كل شيء يجد معناه الحقيقي فقط في هذا الحضور المستمر والجذّاب.

إنّ روحانية إليصابات هي روحانية التحوّل المستمر وهذا التحوّل يهدف الى تكوين صورة لنا تكون كصورة الإبن، يسوع المسيح؛ وبما أن الإنسان غير قادر على تحقيق هذا التحول، فالرب هو الكفيل بذلك: الآب والإبن والروح لكل واحد دوره في اتمام مشيئة الله الأساسية أي أن نكون أبناءه بلا عيب في المسيح.

"...هبها كي تكون مأخوذة كلياً، ومجتاحة تماماً، وتستطيع القول مع القديس بولس: "فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيَّ"(غلاطية2/20)." (رسالة 151)

"...ما تقوله لي حول اسمي يريحني؛ أحبه كثيراً وهو يعبّر عن كل دعوتي؛ حين أفكّر فيه تنخطف نفسي تحت الرؤيا الكبرى لسرِّ الأسرار، تنخطف في ذاك الثالوث الذي هو حصننا منذ الأرض، هو منزلنا، هو اللامتناهي الذي فيه نستطيع أن نتحرّك عبرَ كل شيء. أقرأ في هذه الأوقات صفحات رائعة من كتاب الطوباوي أبينا القديس يوحنا الصليب حول تحوّل النفس في "الأقانيم الثلاثة الإلهية". سيّدي الأب، إلى أي غمر من المجد دُعينا؛ آه! أفهم الصمت واختلاء القديسين، هؤلاء الذين لم يكونوا قط يستطيعون الخروج من تأملاتهم، كان الله أيضاً يستطيع أن يقودهم إلى القمم الإلهية حيث تتم الوحدة بينه وبين النفس التي أصبحت عروساً بالمعنى السري للكلمة. يقول أبونا الطوباوي أن الروح القدس يرفعها (النفس) عندئذٍ إلى علو مدهش بحيث يجعلها قادرة على أن تولّد في الله التوق إلى الحب نفسه الذي يولّده الآب مع الابن والابن مع الآب! وهو توق ليس شيئاً آخر غير الروح القدس بالذات. لكأن الله ينادينا عبرَ دعوتنا لنحيا تحت أنواره المقدسة! يا لسرِّ المحبة الرائع هذا! أريد أن أستجيب له بمروري على الأرض كما العذراء القديسة "حافظة جميع هذه الأمور في قلبي" (لوقا 2/19و51) متكفِّنة، كما يقال، في قاع نفسي، حتى أتلاشى في الثالوث الساكن فيها وأتحوّل إليه. عندئذٍ سيتحقّق شعاري، "مثالي الساطع" كما تقول لي عنه، سيكون أليصابات للثالوث فعلاً. (رسالة 185)

 

التوجّه نحو العمق: كلمة إليصابات للراغبين في عيش الحياة الروحية:

 

إلهي، أيُّها الثالوثُ الذي أعبد، ساعدني على نسيانِ ذاتي كلياً لأستقرَّ فيك في سكون وهدوء، كما لو كانت نفسي منذ الآن في الأبدية ... لا تدعْ شيئاً يعكّرُ سلامي...

هذا الإختبار عاشته في العالم وفي الدير حيث  اعتادت رؤية الله واختبارِ حضوره. فهي تعيش مخفيّة في السر. حقيقة اختبار إليصابات هذا تأتي من ذوبانها المستمر بكلام يسوع في الإنجيل، ودخولها العفوي في حيويّة الحوار الخاص معه، وتشغيلها كل طاقاتها لكي تجيب على حبّه بالحب. فكلماتُها تُظهِر بوضوح مدى العمق الحقيقي والنضج والواقعية الروحية التي اقتبستها واختبرتها في مدرسة أختها القديسة تريزا الطفل يسوع معلّمة الكرمل.

أحب تأمله، فهو يكشف عن محبة مُعلمي الشديدة ويقول لي إن الحب لا يُشترى إلاَّ بالحُب!

وبقراءتي للقديس يوحنا الصليب مُعلم الحب الكبير، كنتُ أفكرُ فيك؛ يقول: "ليس من شيءٍ يعذب على الله إلا الحب" (رسالة  274)

"أحبني وجاد بنفسه من أجلي"(غلاطية2/250)، ذاك هو التعبير عن الحب. كي تُثبتي ليسوع كم تُحبينه، إعرفي كيف تنسين نفسك دائماً كي تحققي السعادة لأخصائك الأعزاء وكوني أمينةً على كل واجباتك وكل قراراتك. عيشي بالإرادة أكثر من أن تعيشي بالخيال. (رسالة 278)

أعتقدُ أن المحبة هي مَنْ لا تسمح لنا بالتوقُّف طويلاً على الأرض، وما تبقى فقد تكلَّمَ القديس يوحنا الصليب عنه جذرياً؛ لديه فصلٌ مدهشٌ وصفَ فيه موت النفوس ذبيحات الحب، وصفَ الهجمات الأخيرة التي يشنها عليها، ثم جميع أنهار النفس تجري لتتلاشى في محيط الحبّ الإلهي والشبيهة عندئذ ببحار بقدر ما هي هائلة. يقول القديس بولس، ..."إلهُنا نارٌ آكلةٌ" (عبرانيين 12/29). إذا ثابرنا على الاتحاد به طوال الوقت بنظرة إيمان بسيطة ومُحبة، وإذا استطعنا القول مثل معلمنا المعبود، في مساء كل يومٍ: "لأني أُحب أبي، أعملُ دائماً بما يُرضيه" (من يوحنا 8/29)،...(293)

...لأنني أشعرُ "بالحب الشديد" (أفسس 2/4) الذي يُحبني به معلِّمي. (298) فـ"دعوتي هي الحب"

كان الله يقول للقديس بولس "حَسْبُكَ نِعمتي، فإن القُدرةَ تبلغُ الكمال في الضُعف" (2 قورنتس 12/9)، وفهمَ القديس الكبير ذلك فعلاً حين صرخَ: "أفتخرُ بحالات ضُعفي لأني عندما أكونُ ضعيفاً، تحلُّ بي قدرةُ المسيح" (2 قورنتس 12/9-10).ما يهم ما نشعر به؛ هو، إنه الدائم، اللامتغير أبداً: هو يحبك اليوم كما كان يحبكِ بالأمس، كما سيُحبكِ غداً. حتى لو أحزنته، تذكري أن غمراً يُنادي غمراً (مزمور 41/8) وأن غمرَ شقائكِ، يا صغيرتي، يجذبُ غمرَ رحمته،(رسالة 298)

 

رسالتها في الكنيسة اليوم:

 

الراهبة الكرملية هي نفس رسولية، ترتبط رسالتها بالكنيسة ومن أجل الكنيسة، هذا هو تفكير اليصابات، وقد عاشت هذه الروحانية في بيتها قبل دخولها الكرمل (الصلاة، التضحية، التعليم المسيحي، رعاية الأطفال والفقراء...)، ولاحقاً في الكرمل.

وها هي إليصابات توجّه كلمتها اليوم الى كل شاب وفتاة في عالمنا، ورسالتها هي رسالة حب:

... من أحب يريد الخير للشخص المحبوب. كذلك قوة الحب هذا تكمن في كونك محبوباً: "تهلَّلي لأنك محبوبة من هذا القلب الصغير الذي هو لله بكليته. لقد أعطاه القدرة الفائقة كي يحب." (رسالة 178)

... يبدو لي أن مُهمتي في السماء هي أن أجذبَ النفوس ومساعدتها على الخروج من ذواتها حتى تلتصق بالله بحركة بسيطة ومُحبة تماماً، وأن تحفظَها في هذا الصمت الداخلي العظيم الذي يسمح لله بأن ينطبعَ فيها، وأن يُحولَها إليه بالذات." (رسالة 335)

كلمة إليصابات اليوم هي دعوة للإيمان بالحب، الحب الحقيقي الذي يحوّلني قبل أن يحوّل العالم من حولي، وينمي فيّ الطاقة على رؤية الحبيب في خضم مسائل الحياة الصعبة، في الحياة الروتينية، في الأمور الصغيرة خاصة. الحب ليس في الأمور الكبيرة، بل تلك الإشارات الصغيرة والأمينة التي تدل على انتمائنا لمن نحب.

مشكلة العالم اليوم هي ترتيب الأولويات، وهذه المسألة بالنسبة لإليصابات محسومة: "هو الأهم"، هو الذي يعمل فيّ ويبدّلني، دون أن أفقد حرّيتي. "ليحيا، ويَهَبَني حياته! لِيَسُدْ وأكون أسيرته! نفسي لا تريد بعدُ حرية أخرى!" (رسالة 255)

  1. o

يبدو لي أن النفس الواعية لسموِّها تدخل "حرية ابناء الله المقدسة" (رومية8/21) (عظمة دعوتنا،4)

  1. o

يبدو لي أن النفس الأكثر حرية هي النفس التي تنسى ذاتها. لو كنت قد سئلت عن سر السعادة لقلت: أن لا نحسب حساباً للذات وأن ننكر ذاتنا في كل حين. (عظمة دعوتنا 4)

كم أنا سعيدة وفخورة\ أن أملكَ علامة السعادة\ أن أشارك في آلامك\ على درب الجلجلة.(قصيدة 36)

...ها هوذا ما كان يحقق سعادة الرسول. تلاحقني هذه الفكرة وأعترف لك أنني أشعر بفرح داخلي وعميق حين أفكر في أنَّ الله اختارني حتى أشارك مسيحه آلامه. ويظهر لي أن درب الجلجلة الذي أتسلقه كل يوم هو طريق الغبطة على الأغلب: ألم تري بعض الصور التي تجسد الموت يحصد بمنجله؟ (عظمة دعوتنا،7)

  1. o

...كان الطفل الإلهي يدخر لنفسي سعادة هائلة. ففي عيد ميلاده، هذا، قال لي إنه سيأتي لعندي كعريس( [4] ): في يوم عيد الغطاس( [5] ) سيجعل مني ملكته وسأبرز نذوري التي تُوحدني به للأبد! إن فرحي لعميق جداً وإلهي جداً. إنه من النوع الذي لا يعبَّر عنه، لكن نفسك، الـمُشاركة في الله كفاية، قادرة على فهمه. ساعديني، أليس كذلك، لأنني أريد أن أكون كما يشاء هو.(ر 149) 

وهي تقول لكل نفس اليوم ما قالته يوماً لصديقة لها:

إنها سعيدة جداً وبسعادة يعرفها الله وحده لأنه الحاجة الوحيدة فيها، سعادة تشبه سعادة السماء. خلال هذا الصوم الإلهي جداً في الكرمل، ستتحد نفسي بنفسك بشكلٍ خاص. سأطلب إلى الله أن  يكشف لك عن عذوبات حضوره، ويجعل من نفسك معبداً يستطيع أن يأتي إليه ويتعزى. هل تتفضلين بالسماح لي بدخوله وأعبد معك "الذي" يسكن فيه؟.

لا أدري إن كنت سأنعم بسعادة أن أقدّم لعريسي شهادة الدم، لكن حين أقود حياتي ككرملية تماماً، فعلى الأقل سيكون لي عزاء أنني أذيب نفسي لأجله وحده. (ر 169)....

هذه الكلمات تقول الكثير لعالم اليوم، لأن الإنسان يجد في بحثٍ مستميت عن اللذة والسعادة والمال والثبات وكل ما يُشعرُه بالهناء والسلام. وفي أغلب الأحيان نجد ذواتنا أمام حضارة الموت والخيبة والخوف والقلق، نجد ذواتنا أمام التوتر والتعب... نهرب من الألم والألم ينظرنا في كل لحظة ونحن نخاف...

كلمة إليصابات اليوم أيضاً للذين كرسوا ذواتهم للمسيح، هي أن نتأمل مشوارها مع المسيح الذي بدأ قبل دخول الدير بعدّة سنوات أبرزت فيها نذوراً سرية أمامه، وبقيت أمينة حتى النهاية، وفي ذلك انتصار للمسيح وللكنيسة. وهذا أمر يدعو للشجاعة والقوة.

  1. o

"يارب، أريد أن أتألّم وأكون مهاناً لأجل حبك".

...بعد نوبةٍ حادةٍ، صرخت: "يا محبَّة، يا محبَّة! تعلمُ إذا ما كنتُ أحبّك، وأرغب في تأملك؛ تعلمُ أيضاً إذا ما كنتُ أتألم؛ مع ذلك، إن شئتَ أن أتألَّم ثلاثين، أربعين سنة أيضاً، فأنا مستعدة. إستهلك كلَّ ماهيتي لأجل مجدك؛ لتتقطَّر قطرة فقطرة لأجل كنيستك".

...على كل أنا عارفةٌ بجميلها لأنها توفِّرُ لي الغبطة في أن أتألَّم حُباً بمعلمي وأيضاً لأجل من أحبهم.

...نعم، أتألم جداً هذه الأيام، وأنا فرحةٌ كل الفرح بتقديم قطرة دمي، إذا شاءت العذراء، لنجاح تساعيتي. أتركك، أنا متعبةٌ. قرأتُ هذا الصباح شيئاً ما  أراحني، وأرسله إليكِ: "أَحب الله شركة الألم حُباً شديداً، لدرجةٍ أنه اختاره لابنه، والابن رقد على السرير، وتصالحَ مع أبيه بهذه المحبة

...يا إلهي، دعْكَ تتأثر، أقدم لك حياتي ضحية لأجل نجاح هذه "الرسالة". إجعلني أتألم، لكن استجب لي، أُنظر إلى دموعي، وتنهداتي. رحمة، شفقة، يا إلهي الكلي القدرة، باسم يسوع عريسي، حبيبي، يسوع حياتي، حُبي الفائق!..

هذه هي رغبتي المضطرمة،\ ها هي أمنيتي الأكثر حميمية،\ أن أحيا، أن أتألم وأموت

وأقدّم نفسي كذبيحة\ حباً بالحبيب، بقلبه الأقدس\ ولمجده وإكرامه.

وهذا الألم يمكنه أن يكون قضية أمام الله والإنسانية وهذه القضية، لا تعتمد على طاقتنا في الإحتمال بل على الواقعية في تلقي الأمور وقبولها والإستسلام لمشيئة الرب. وعندما نحمل قضية الكنيسة والعالم والعدالة والسلام والإنسانية جمعاء في ألمنا الشخصي، سوف لا نقلّ أهمية عن ألم يسوع الذي تألم ومات وقام، ونحن شركاءه في ذلك.

في هذا كلّه تشعر إليصابات مع مريم أنها حاضرة في سر المسيح ومع الكهنة أنها دائماً حاضرة في سر الكنيسة، وهي تنطلق بمرونة في عيش كهنوتها الخاص وتشفعها من خلال الذبيحة، ليس فقط الإفخارستيا، بل أيضاً ذبيحة ذاتها وألمها، كلِّ ألمهاوكل متطلباتدعوتهالتحقيق مسيرة الصلاة المسيحية.

إنها مدرسة رسالة، مدرسة خدمة ومدرسة صلاة.

هل لدينا من الصفاء والهدوء والسلام ما يكفي لكي نتقبّل هذه الكلمات التي تقولها فتاة في ربيعٍ مستمرّ من العمر مثل إليصابات، ونجعل منها نقاط أساسية في مسيرتنا الشخصية حسب تعاليم الكنيسة الجامعة.

هل لنا من القدرة والجرأة لكي نعي أن مغامرة الحياة تستحق العناء فقط اذا كان الإنتصار مثل انتصار المسيح على الموت، هو نهايتها؟

المهم في إليصابات هو أنها اكتشفت من خلال الكتاب المقدس حقيقة دعوتها المسبقة واختيارها في الإبن. وهذا الإكتشاف يخص الدعوة الشخصية لكل مؤمن...

تقول اليصابات لنا الكثير اليوم، تقول لنا أن الحياة مع الله في هذا العالم ممكنة وضرورية وهي وحدها تعطيه طعماً ومذاقاً يلغي لوعة الألم؛ والله لا يرفض لنا طلباً وهو جدير بذلك ومستعد للتلبية فلنقل له مع إليصابات:

 

صلاة إليصابات للثالوث:

 

إلهي، أيُّها الثالوثُ الذي أعبد، ساعدني على نسيانِ ذاتي كلياً لأستقرَّ فيك

في سكون وهدوء، كما لو كانت نفسي منذ الآن في الأبدية !

يا من لا يخضع للتغيّر، لا تدعْ شيئاً يعكّرُ سلامي او يُخرِجُني منكَ،

بل لِتَحْمِلْني كلُّ دقيقةٍ بعيداً جداً في أعماق سرّك.

أحلَّ السلامَ في نفسي، واجعلْ منها سماءَك، مسكنَك المحبوب ومقرَّ راحتِك؛

هبْني أن لا أدعَك فيها وحدك، بل أن أكون هناك بكل كياني،

متيقظةً في إيماني، ساجدةً ومستسلمةً كلياً لعملك الخلاّق.

يا مسيحي المحبوب المصلوبَ حباً، أودّ أن أكون عروساً لقلبك.

أودّ أن أغمرَك بالمجد، وأن أحبَّكَ حتى الموت من الحب !

ولكنّي أشعرُ بعجزي، فأسألك أن تُلبسَني ذاتَك،

أن تُماثِلَ نفسي جميعَ حركاتِ نفسِكَ،

أن تغمرَني، أن تتغلغل فيَّ، أن تنوبَ عني حتى لا تكونَ حياتي سوى إشعاعاً لحياتكَ.

تعالَ إليَّ متعبّداً وكفَّارةً ومخلِّصاً.

أيُّها الكلمةُ الأزلي، كلمةُ إلهي، أريد أن أقضيَ حياتي في الإصغاء إليكَ.

أريد أن أكون منفتحةً على تعاليمك حتى أتلقّن منكَ كلَّ شيء؛

وبعد ذلك، وعبر الظلامِ والفراغِ والعجز، أريد أن أحدّق دوماً إليكَ

وأمكُثََ في ظلِّ نورِكَ الساطع.

يا كوكبي المحبوب،شُدَّني إليك حتّى لا أقوى على الخروج من إشعاعك.

هلّم إليّ أيُّها النارُ المُحرقة، يا روحَ المحبّة،

لكي يحدُثَ في نفسي مثل تجسّدٍ للكلمة، فأصيرَ لبشريّته امتداداً يُجدّدُ فيَّ كلّ سرّه.

وأنت أيُّها الآب، إنحنِ نحو مخلوقتك الفقيرة والصغيرة ،

ظلِّلها ولا ترَ فيها سوى الحبيبَ الذي وضعتَ فيه كلَّ رضاك!

يا ثالوثي، يا كلَّ ما لي، يا غبطتي، يا وحدةً لا حدَّ لها، يا سَعَة رحبةً أتيه فيها.

إنّي أستسلم لك كفريسة؛ فادفِنْ ذاتَك فيّ لأَدفِنَ ذاتي فيك،

بانتظار أن أذهبَ وأتأملَ في نوركَ غورَ أعماقِ عظائمِكَ!