Text Size
Wednesday, November 22, 2017

الطوباوية مريم ليسوع المصلوب

الطوباوية مريم ليسوع المصلوب 1846-1878 

عيدها في 25 آب

 

 

إنها الراهبة الكرمليّة المشرقية العربية الأولى التي رفعتها الكنيسة الى مصافّ الطوباويين:مريم بواردي، واسمها في الرهبانيّة:مريم ليسوع المصلوب.

إنها واحدة من بنات القديسة تريزا الأفيلية، مجدّدة الرهبانيّة الكرمليّة، وقد سارت على مثال امّها على دروب القداسة والفضيلة، والتأمّل والصلاة، وحفظ المشورات الإنجيلية، وتقديس الذات، إلى ان توفّيت برائحة القداسة سنة 1878وقد أعلنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في 13-11-1983

 

حداثتها

مريم بواردي هي من أصل لبناني_سوري. ولدت في الخامس من كانون الثاني سنة 1846في قرية قريبة من الناصرة تدعى:عبلّين. والدها جورج بواردي من طائفة الروم الكاثوليك. والدتها مريم شاهين. وقد أصيب الوالدان بامتحان عسير في زواجهما إذ إن فلذات أكبادهما لم يُكتب لها الحياة:تسعة أولاد ماتوا جميعهم، الواحد تلو الآخر، وهم بعد في المهد.

ولمّا ولدت الطفلة العاشرة مريم، قرّرا ان يذهبا بها سيرا على الأقدام، من قريتهما عبلّين في الجليل، الى مغارة بيت لحم، ليطلبا من طفل المغارة ان "يعيّشها" كما يقال في العاميّة، وكرّساها ونذراها للعذراء مريم، وقد سمّياها باسمها، آملين ان تستجيب السماء نذرهما. وعاشت مريم وبدت بصحة جيّدة. وكانا يحمدان العذراء باستمرار. ورزقا بعد مريم بصبيّ سمّياه بولس، وقد عاش هذا الأخير ايضا بفضل صلاة الوالدين.

ولكنّ الطفلين مريم وبولس اللذين كتبت لهما الحياة، شاءت لهما الأقدار أن يعيشا مفترقين مدى الحياة، بعد وفاة أبويهما، وكانت مريم في عامها الثالث، وأخوها بولس في عامه الأول. فعرفا اليتم المزدوج ومعه التبنّي، وما يحمل اليتم والتبنّي من نقصٍ في العاطفة والمحبّة، إذ لا عاطفة تفوق عاطفة الآباء لأبنائهم . بولس وعمره سنة أصبح في بيت خالته في قرية ترشيحا، ومريم وعمرها ثلاث سنوات، أصبحت في عبلّين في بيت عمها الذي ربّاها ورعاها بعدما هاجر وجميع أفراد أُسرته الى مصر، حيث أقاموا في ضواحي الإسكندرية، الى ان بلغت مريم الثالثة عشرة من عمرها.

وهنا بدأت مراحل الصليب تنتصب على طريق حياتها. فقد أراد عمّها ان يزوّجها من دون علمها ومن دون رغبتها، الى شقيق امرأته. فرفضت الفتاة بشجاعة هذا المشروع، مما أثار سخطه عليها. فحاول إخضاعها لإرادته بالقوّة. وأخذ يسيء معاملتها ويعتبرها خادمة في بيته. وهنا بدأت مريم مرحلة قاسية من العذاب والتعنيف. وقد كتبت تصف هذه الفترة من حياتها:"كنتُ دون الخدم ملبساً وطعاماً، معزولةً مأمورةً بأصعب الأشغال، محرومةً من القداس والأسرار". في هذا الوقت بدأت تفكّر جديا بتكريس حياتها للرب ودخولها الرهبانيّة.

وتفتحت مريم أكثر فاكثر على الحياة، كما زاد شوقها الى اخيها بولس، الذي عاش هو ايضاً يتيماً في ترشيحا وقد بلغ اليوم سن الحادية عشرة من عمره.



وكتبت مريم رسالة الى أخيها بولس تدعوه فيها الى زيارتها في بيت عمّها في ضواحي الإسكندرية. فهي من دون شك، قد اشتاقت اليه كثيراً، وتريد ان تتعرّف عليه عن قرب، كما تودّ ان تبوح إليه ببعض هواجسها وأسرارها، خصوصا قد أصبح فتى بالغاً، كما تبلّغت عنه من بعض المعارف والمسافرين. وأُخبرت مريم ان شخصا تركيّا سبق له ان خدم في بيت عمّها، سيسافر الى الناصرة. فحملت اليه الرسالة خلسةً، وطلبت اليه ان يسلّمها الى اخيها. ولكنّ الرجل التركي وأفراد عائلته ألحّوا عليها بتناول طعام العشاء معهم. وبعد تشديدٍ مبالغ فيه، رضخت الفتاة وقبلت العزيمة. وأثناء العشاء حاول الرجل ان يفتح لها موضوع الدين بقصد ثنيها عن دينها. ولكنّ الفتاة انتفضت بقوّة وقالت له:"انا ابنة الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية حتى الموت". وحصلت مشادّة في الدين بينهما فما كان من الرجل إلاّ ان انتفض معتبرا تحدّيها له في بيته اهانة صارخة. فركلها بحذائه، كما استلّ خنجرا وانهال به على عنقها محاولا ذبحها، فسال دمها. وخوفا من افتضاح أمره واتهامه بالقتل، لفّها وزوجته بشرشف، وألقوها في زقاق مهجور وكان ذلك بتاريخ 7 ايلول 1858.

ولكنّ العذراء مريم، حسبما روت مريم بواردي نفسها، هي التي شفتها واعتنت بها، وهي التي أعلمتها انها ستذهب الى فرنسا فتصبح راهبة كرمليّة.

وأبت مريم العودة الى بيت عمّها. وآثرت العمل كخادمة في البيوت. وفي هذا الاختيار، تعرّضت مرارا للقسوة والاتهامات.

 

في بيروت

كان شوق مريم الى أخيها بولس يزداد يوما بعد يوم. فعزمت على الذهاب لملاقاته. ولكنّ السفينة التي كانت تُقلّها، تعرّضت الى عاصفة هوجاء دفعتها الى شاطىء بيروت. فنزلت وتوجّهت الى أوّل كنيسة تبحث عن مساعدة وملجأ. فاقتادها كاهن الرعية الى أسرة عطالله لتعمل عندها كخادمة. ولكنّها ابتليت بأوجاع مؤلمة في عينيها حتى كادت تفقد بصرها تماما. ولكنّ العذراء تدخّلت هذه المرة ايضا وشفتها حسبما اعترفت بذلك هي نفسها.

 

في مرسيليا

وجاءتها دعوة من أسرة آل النجار السورية الأصل، للعمل في مرسيليا. فعزمت على السفر الى هذه المدينة الفرنسية الساحلية، وقد أصبحت الآن في سن الثامنة عشرة وكلّها حركة ونشاط. فعملت هناك كخادمة وكطبّاخة عند تلك الأسرة، وذلك لمدة سنتين متتاليتين، ولكنّها كانت تذهب كلّ صباح الى الكنيسة فتشارك في الذبيحة الإلهية.

 

مريم الراهبة

إنها الآن في العشرين من عمرها. وها هي تدقّ باب دير راهبات القديس يوسف الظهور، الكائن في ضواحي مرسيليا. مستعدّة للعمل في المطبخ، وقضاء أوقات راحتها في الصلاة، معتبرة ان العمل بمحبّة وإخلاص، هو صلاة ايضا. إنها تعيش في دنيا غير دنياها، حتى إنها غالبا ما كانت تُخطف بالروح وترى رؤىً، ممّا جعل الراهبات يفكّرن أنّ مكان هذه الإبنة وما تتمتع به من حالات خارقة، ليس في هذا الدير بل في أحد الأديرة النسكية التأمليّة. هناك ستجد من دون شك، دعوتها الرهبانيّة. واستسلمت مريم لمشيئة الربّ، وطلبت ان تُنقل الى دير الكرمل في مدينة "بو" Pau الفرنسية.

 

في كرمل "بو" Pau 

استقبلتها رئيسة دير الكرمل وراهباته في مدينة "بو" بفرح كبير، كونها قادمة من الأرض المقدّسة، موطن يسوع وأمّه العذراء مريم. وباشرت سنة الإبتداء الأولى باندفاع بالغ. فوجدت في الكرمل منذ اليوم الأول، بما فيه من صمت وفقر وصلاة وتأمّل وإماتات وانقطاع عن العالم، وجدت فيه هناءها وسعادتها. فاتشحت بالثوب الرهباني، ودُعيت مريم ليسوع المصلوب، وبدأت بممارسة النذور الرهبانيّة:الطاعة والعفة والفقر، بقناعة شديدة، إضافة الى حماسة كبيرة في خدمة الأخوات في كلّ عمل يُطلب منها.

 

السمات الخمسة وطعنة الحبّ

على مثال القديس فرنسيس الأسيزي، أنعم الربّ على مريم ليسوع المصلوب، فوسمها بسِمات جراحه الخمسة. وحدث ذلك في مستهلّ صوم 1867. وبعد سنة على ظهور تلك السِّمات، إشتدّ الألم في يديها ورجليها وجنبها في صوم سنة 1868 واصبحت عاجزة عن الحركة. وبدأت تنزف دماً وتشارك المخلص في آلامه. وكما حدث يوما لأمِّها القديسة تريزا الأفيلية، فقد حدث لمريم ليسوع المصلوب أيضاً حين اخترق سهم الحبّ فؤادها فكواها بحرارته ولهيبه.

 

مريم وقوى الشر

كم من مرة حدّثنا يسوع في الإنجيل عن إبليس وحيله وأساليبه، فهو اذن موجود ويعيث في الأرض وبين الناس فسادا. إنه موجود. و"أذكى حيلة يستعملها، هو إيهامنا بأنه غير موجود"، كما يقول في هذا الصدد الشاعر الفرنسي بودلير. وإن كان بعض الناس لا يؤمنون به وبحيله، فمردُّ ذلك الى أنهم قد تأقلموا معه، بعدما تحققت مآربه فيهم، فهم ينفذون خططه بسهولة وطاعة عمياء.

وهذا ما فعله مع عدد كبير من القديسين، أمثال أنطونيوس الكبير ويوحنا ماري فيانيه. وهذا ما فعله ايضا مع هذه الراهبة التي روت لنا أحاديث طويلة عن المعارك الطاحنة التي كانت تدور بينها وبين إبليس، وكيف كانت تنتصر عليه دوما بفضل قوّة ايمانها واستغاثتها بيسوع واتكالها على نعمته.

 

مريم في منغالور الهند

تقرر إنشاء دير للراهبات الكرمليّات في مقاطعة منغالور الهندية، بسعي من النائب الرسولي في الهند، المطران ماري افرام، الذي شارك في المجمع المسكوني الفاتيكاني الأول. وقد زار كرمل بو واطّلع عمّا تتمتّع به المبتدئة مريم من خوارق وإنعامات. فالتمس ان تكون تلك الشابة المبتدئة حجر الزاوية في تأسيس كرمل الهند.

وفي شهر آب من سنة 1870 أبحرت رئيسة دير بو Pau بصحبة خمس راهبات، بينهن مريم المبتدئة، إضافة الى ثلاث راهبات مساعدات، إتجهن جميعهنّ الى قناة السويس، ثم البحر الأحمر، الذي كان في ذلك الشهر بعزّ حرّه ولهيبه، حتى إن الكرمليّات أُصبن جميعهنّ بالدوار الشديد، والتقيؤ العنيف، بسبب القيظ الخانق، ورائحة البحر، والإعياء الشديد، كما أصيب معظم المبحرين. وبعد أيام توفّيت راهبة. ولم تمض ثلاثة ايام على وفاتها حتى توفّيت راهبة ثانية. فدفنتا في عدن (اليمن). وتقرّر إبقاء الراهبات العليلات جميعهنّ بعض الوقت في مرفأ عدن الى ان يتعافين.

وبعد أسابيع من العلاج والطبابة واصلن الرحلة الشاقة الى الهند. ولكنّ المفاجأة غير السارة عند وصولهن كانت وفاة الرئيسة الأم ماري ايلي. وبالرغم من هذه الخسارة الفادحة(وفاة ثلاث راهبات)، تمّ تأسيس الدير في منغالور، وتمّ تجاوز عقبات كثيرة. فكانت مريم ليسوع المصلوب اول مبتدئة كرمليّة تنذر في الهند نذورها الرهبانيّة. وكان ذلك في 21-11-1871. فارتبطت الى الأبد بنذور الطاعة والعفّة والفقر. وعُيّنَت رئيسة جديدة على الدير المستحدث. ولكنّها ما لبثت ان بدأت تضطّهد الأخت مريم، معتبرة ان كلَّ ما يحدث لها من خوارق إنما هو من فعل الشيطان. كما حرّضت الراهبات وأسقف المدينة على الأخت الناذرة، شاجبة "خزعبلاتها". فعاشت مريم امتحانا عسيرا لا بل استشهادا نفسيا قاتلا.

في هذه الأجواء الصعبة، تملّك مريم حنين قويّ يحثّها على الرحيل عن منغالور، والعودة الى دير بو في فرنسا، ذلك لأن مشروعا عظيما بدأ يختمر في ذهنها ويهزّ جوارحها طربا: ألا وهو تأسيس دير للكرمليّات الحبيسات في فلسطين وفي بيت لحم بالذات.

 

كرمل بيت لحم

لقد اصبح تأسيس كرمل بيت لحم شغل مريم الشاغل. ووصل خبر نيّة التأسيس الى مسامع الآنسة دارتيكوDartico وهي سليلة أسرة غنيّة عريقة من عائلات بو، فعزمت هذه المحسنة الكبيرة على تبنّي المشروع وتمويله. ولم يبق لتحقيق هذا الأمر سوى موافقة السلطات الكنسيّة، وعلى رأسها قداسة الحبر الأعظم البابا بيوس التاسع، الذي وافق فور الاطّلاع عليه، وأردف قائلا:"فلتمضِ الراهبات الكرمليّات مصحوبات ببركتي".

وفي 20 آب سنة 1875 أبحرت سبع راهبات كرمليّات ومبتدئة، إضافة الى راهبتين مساعدتَين، ومموّلة المشروع الآنسة دارتيكو، ووصلن جميعهنّ بصحّةٍ وسلامة إلى ميناء حيفا. وانتقلن الى القدس حيث كان باستقبالهنّ بطريركها. ومن القدس الى مدينة النبي داود والسيد المسيح بيت لحم. وبعد شراء الأرض، بوشر بالعمل فورا. وأخذ البناء يرتفع. وكانت يد الربّ تسهّل جميع الأمور. ولم تمض ثمانية اشهر حتى أصبح الدير جاهزا ومؤهّلا لانتقال الراهبات اليه. وكان الجو السائد أنّ كلّ ذلك قد تمّ بفضل صلاة ودعاء وتشجيع الأخت مريم ليسوع المصلوب. وما إن سكنت الراهبات في هذا الدير الجديد حتى بدأت مريم تفكر وتعمل على إنشاء دير آخر في مدينة الناصرة.

 

مريم تشارك الفادي في آلامه

ولم تمض سنة على سكن الراهبات في بيت لحم، حتى أخذت الظواهر الخارقة تظهر في حياة مريم ليسوع المصلوب. وفي سنة 1876 أخذت سماتها الخمس تنزف بقوّة حتى إنها شعرت بأن دنوّ اجلها أصبح قريبا، لفرط الآلام المبرّحة. فطلبت منحها سرّ التوبة، ونالت الحلّة، ومن ثم تناولت القربان المقدّس. وبالرغم من كلّ ذلك، كانت تنهض لتأدية فروض الصلاة وبعض الأعمال الديرية. وفي احد الأيام سقطت من على السلّم فتحطمت ذراعها اليسرى، فاحتملت أوجاعها الاضافية هذه، بروح الصبر والشجاعة والإيمان.

وأعربت عن رغبتها في مسحة المرضى، فوفرها لها غبطة البطريرك. وكانت تشارك وتجيب على الصلوات. وبعد المسحة، إستغفرت الجماعة عن كلّ ما صدر عنها من إزعاج أو مشكلات بسبب سماتها او جروحاتها. وامتدّ مرضها اربعة ايام، الى ان أسلمت الروح بين يديّ يسوع ومريم وكان ذلك بتاريخ 26 آب من سنة 1878 ولها من العمر 33سنة.

كان الحشد كثيفا في مأتمها، وبالرغم من بُعدها عن الناس وعيشها ضمن جدران الدير بعيدة عن الأضواء، فقد كان الجميع يرددون:"لقد ماتت اليوم قديسة". ورقد جثمانها في كرمل بيت لحم.

 

إعلانها طوباوية

في احتفال مهيب، في كاتدرائية القديس بطرس، في حاضرة الفاتيكان في روما، أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية بتاريخ 13- 11- 1983. فظهرت عندئذ كنجمة ساطعة في سماء الشرق، تلك الكرمليّة الحبيسة الصوفيّة الأولى التي أنبتتها الأرض التي عاشت عليها العائلة المقدّسة:عائلة يسوع ومريم ومار يوسف، والتي منها انطلقت الرسالة والبشرى المسيحية وأفواج القديسين والقديسات. لهذا تفتخر بها الكنيسة المشرقية.

 

روحانيتها

إنها إبنة قديسيّ الكرمل الكبيرين تريزا الأفيلية ويوحنا الصليب ومعاصرة القديسة تريز الطفل يسوع. وقد نهلت من معين الكرمل الذي لا ينضب، فطُبعت بجراحات المسيح، وخبرت إنخطافات سامية بالروح شبيهة بتلك التي خبرتها أمها القديسة تريزا الأفيلية. وقد سارت على خطاها في الثقة المطلقة برحمة الله وحنانه، والإيمان الوطيد بعنايته ومحبّيه. هكذا خبرت مريم ليسوع المصلوب، الاستسلام الكلّي لمشيئة الربّ على مثال أختها تريز الطفل يسوع. وهذا ما نستشفّه من خلال القليل من كتاباتها وتعليقاتها الروحية.

ختاماً نقول إنَّ الظواهر الصوفية العديدة التي رافقت حياتها، لا تحجب عنا تواضعها الكبير وما امتازت به من محبّة أخوية وتسليم الذات الكامل للعناية الالهية ولهمسات الروح القدس