Text Size
Monday, June 25, 2018

تطور النص الإنجيلي

- المرحلة الأولى: حياة يسوع الناصري وعمله التبشيري
هذه الحقبة الأولى التي تطال الثلث الاول من القرن الاول تكوّن موضوع الانجيل ومحتواه. فيسوع في حياته العلنية، ومن خلال الاعمال والمعجزات ومن خلال العظات والكلمات، اسلم شفهيا رسالته الى اشخاص انتقاهم ليكونوا برفقته.
هذه العناصر التي تسلّمها هؤلاء المرافقون خضعت لعملية انتقاء بديهي يحتّمه هدف الانجيل: فغايتهم لم تكن نقل وقائع حياة يسوع اليومية، انما نقل رسالته الخلاصية واعلان ارادة الله للبشرية بواسطة شخص يسوع المسيح.

- المرحلة الثانية: التبشير الرسولي حول يسوع المسيح
 
في هذه المرحلة التي تمتد لفترة عشرين او ثلاثين سنة، اي الثلث الثاني من القرن الاول، قامت على العمل الرسولي التبشيري لهؤلاء الاشخاص الذين رافقوا يسوع وسمعوه ورأوه ولمسوه واقتبلوا الامر بالانطلاق لاعلانه في العالم أجمع.قوة هذا الانطلاق قد كان سببه اختبار الرسل لقيامة الرب وترائيه لهم، وحلول الروح عليهم.
على ضوء القيامة فهم الرسل الأقوال والأحداث والأعمال التي تمت واختبروها شخصياً قبل موت وقيامة الرب، فأعلنوها في عملهم الرسولي ليس من الناحية التاريخية الاختبارية فحسب انما بنوع خاص على ضوء معناها اللاهوتي الخلاصي المرتبط بحدث القيامة.
وفي هذه المرحلة شهدت عمليّة اعلان البشري عقبات بسبب انتقال الانجيل من العالم الفلسطيني ذي العقلية الساميّة الى جمهور ذي ثقافة مغايرة تماما وعقلية يونانية ذات منحى فكري تجريدي.
ان انتقال العمل التبشيري في اليهودية والجليل الى اليهود المنتشرين في الشتات، في العالم الهليني وللوثنيين المتواجدين في مراكز حضارة وثقافة متطورة (مثل الاسكندرية واليونان وروما)، حتّم تغييراً، ليس من ناحية جوهر البشارة، انما من ناحية الشكل الخارجي لايصال الرسالة الى مُبَشَّرين من خلفية ثقافية مغايرة عن الثقافة الفلسطينية.
هذا التطور نجد آثاره في الاناجيل المكتوبة، احياناً من خلال تمايزات "ثقافية وحضارية" مثل السقف المصنوع في "قرميد" والذي يميّز البناء اليوناني حيث تعيش جماعة لوقا (لو 5 ،19) بينما يورد مرقس ان السقف قد حُفر وبالتالي فهو يتكلم عن سقف ترابي نجده في فلسطين (مر 2،4).
انما هذا الاختلاف، او بالأحرى التمايز، لم يقتصر على الناحية الثقافية انما طاول ايضا النواحي اللاهوتية، مثل استعمال الازائيين وبولس لكلمة "جسد" 
soma في كلامهم عن الافخارستيا (1 قو 11، 24) بينما اختار يوحنا كلمة sarx (لحم) في يو 6، 51.

- مؤثرات اخرى مكوّنة لمرحلة البشارة:
- الليتورجيا والعبادة التي كانت تعلن سرّ يسوع المسيح وعمله الخلاصي، فدخلت اجزاء منها في الكتاب المقدس (مثل بدء انجيل يوحنا او بدء سفر الرؤيا او مقاطع كثيرة من رسائل بولس).
- عمل التعليم الذي كان يقوم به الرسل ومرافقيهم ضمن الجماعات التي آمنت بالمسيح.
- الخلافات العقائدية بين اليهود والمسيحيين والتي صبغت الاناجيل بطابع النزاع بين يسوع واعضاء المجمع (راجع متى ويوحنا) او بين المسيحيين انفسهم (مثل من يدخل ملكوت السماوات، الذي يقول "يا رب يا رب" (متى 7، 21) او الذي يؤمن ويحيا بحسب ايمانه؟
 (

- المرحلة الثالثة: الاناجيل المكتوبة (الثلث الاخير من القرن الاول)
من المرجح ان تكون فترة 65 – 100 هي فترة كتابة المجموعات الشفهية التي تكوّنت وتناقلت عبر الرسل الى الجماعات الكنسية.  نجد تقليد يعود الى القرن الثاني ينسب الاناجيل المكتوبة الى تلميذين (متى ويوحنا) ورفيقين لبطرس وبولس (يوحنا مرقس ولوقا)، انما هذه النسبة لا نجد لها ذكراً في الاناجيل نفسها، فهدف الكاتب لم يكن الا اعلان الخلاص الذي تم بيسوع المسيح.
الكثير من علماء الكتاب المقدس (وهم اكثرية) يعتقدون ان الكاتب المباشر للاناجيل لم يكن بالضرورة شاهد عيان مرافق للمسيح انما هو واحد من الذين عايشوهم واستلموا منهم هذا الاختبار الشخصي ومن ثم كتبوه.
هذا التقليد القديم، وان كان لا يشير الى الكاتب الفعلي انما هو دون شك يعطي المرجعية التاريخية القائمة وراء كل من نصوص الاناجيل الاربعة، او الذين كتبوا مصدر ما قديم من مصادر الانجيل او كانوا المرجعية التي استند عليها التقليد الشفهي الذي صار بعدها مكتوبا.
من هنا نفهم سبب الاختلاف بين الاناجيل الاربعة، فان كان يوحنا ومتى هما شاهدا عيان، كيف نفسر اذاً ان الاول قد ادرج حدث تطهير الهيكل من بدء حياة يسوع العلنية بينما ادرج الثاني الحدث عينه في ختامها؟ كيف نفسّر ايضا الاختلاف بين متى الذي يخبر عن عظة يسوع على الجبل (متى 5، 1) بينما يخبر لوقا ان العظة كانت في مكان سهل؟ (لو 6، 17).

ان كاتب الانجيل اخذ مصادره من مرجعية سابقة، شفهية او مكتوبة، وبما انه لم يكن قادرا على الاتكال على ذاكرته لأنه لم يكن موجودا عند الحدث، اخذ الحادثة التاريخية ونسّقها مع نص انجيله فكانت مختلفة عن الانجيل الآخر. والأناجيل نُسّقت بشكل منطقي وليس بالضرورة زمني.