Text Size
Wednesday, January 17, 2018

حفظ هذه الكتب

إن مجموعة الكتب هذه التي خُطَّت ما بين سنتي 50 و 150 للميلاد لم تُقبل في الكنيسة ككتاب واحد وفي لحظة واحدة بل شهدت مسيرة ولادة ونموّ حتى بلغت مرحلة اكتمالها حين جمعت في كتاب العهد الجديد الذي لا يزال حتى اليوم يرشد الكنيسة ويحقق حضور المسيح في حياة المعمّد والكنيسة.
إنما نحن نعلم أن هناك العديد من الكتب الأخرى قد كتبت حول يسوع منها ما هو معاصر لهذه الكتابات، إنما لا نجد لها أثراً اليوم (مثل رسالة بولس الى أهل قورنتس والمدعوّة "الرسالة في الدموع" التي يتكلّم عنها بولس في 2 قور 2 ، 1-4 أو الرسالة الى أهل لاوديسّا التي يتكلّم عنها في كول 4 ، 16) ، او أيضاً كتب لا تزال موجودة إنما لا تعتبرها الكنيسة مقدّسة مثل إنجيل بطرس الذي كُتب في أواخر القرن الثاني ورُفض رغم نسبته الى رأس جماعة الرسل.
فعلى أي اساس انتقيت هذه الكتب لتحفظ وقُبلت على أنها من مجموعة الكتب المقدّسة؟

- المصدر الرسولي (الحقيقي او المنسوب): كما قلنا سابقاً لم يكن الرسل انفسهم هم كتبة كلّ الكتب المقدسة بخط اليد، إنما هي كتب كتبت بإشراف، بإسم ، بروح وبسلطة واحد من الرسل.
الاناجيل لا تذكر اسم الكاتب ، ونسبت الى رسولين (متى ويوحنا) والى مرافقين لبطرس (يوحنا مرقس) وبولس (لوقا) إنما أهميتها تكمن في كونها تتعلّق بالجماعة الرسولية وتحوي تعاليماً وفية للرسل الذين رافقوا وسمعوا الرب يسوع ونالوا الروح فأسسوا الجماعات الأولى.
لقد كانت الجماعات الأولى تعتمد هذا المقياس في قبولها لكتاب من الكتب ، لهذا نرى أن سفر الرؤيا قُبل جزئياً في الغرب حين نسب الى يوحنا الرسول، وحين بيّن ديونيسيوس الاسكندري، بحسب ما يروي المؤرخ أوسيبوس (
HE 7.25, 6-27 ) أن يوحنا ليس هو الكاتب تراجع قبول الكنيسة الغربية له.
والرسالة الى العبرانيين لم تقبل في عداد الكتب المقدّسة في الغرب لعدم نسبتها الى أيّ من الرسل، رغم أننا نجد ذكراً لها في القرن الثاني في روما، إنما الشرق قبلها لأنه اعتقد أنها من الرسائل البولسية ( أوسيبيوس 
He 6.14,4 )  ، وعادت الكنيسة الغربية وقبلت هذه الرسالة في القرن الرابع أو الخامس ظنّاً منها أنها من الرسائل البوليسية.
إنما النسبة الرسولية لم تكن دوماً معياراً لا يقبل الجدل، فالإنجيل المنسوب الى بطرس كما أسلفنا ، رُفض فوراً في الغرب رغم نسبته الى كبير الرسل وذلك بسبب محتواه.  فحين يكون المحتوى غير مستقيم الايمان، يُرفض الكتاب رغم نسبته الرسولية المزعومة.

- أهمية الجماعة المسيحية الموّجه إليها الكتاب ووضعها:  يلعب وضع الجماعة المُرسل إليها الكتاب دوراً دوراً هاماً في فهم كيفية حفظه وتناقله، فالوضع السياسيّ أو الاجتماعيّ أو وضع الاضطهاد الذي قد تعانيه جماعة ما يؤثر في حفظ أو فقدان الكتاب.  فنحن لا نجد ، على سبيل المثال، أي من الكتب أو الرسائل الموّّجهة الى كنيسة أورشليم، رغم أن كثير من مصادر الاناجيل والأعمال قد تكون خارجة من هذه المنطقة.  والسبب قد يكون الاضطراب الذي سببته الثورة اليهودية في العام 66- 70 ضد الرومان وأدّت الى دمار اوراشليم وتشتت أهلها.

ومن ناحية أخرى يلعب وجود واحدة من الشخصيات المهمة في إحدى المناطق دوراً محورياً في حفظ كتاباته في هذه المنطقة: لذلك نجد ان أسيا الصغرى والجزر اليونانية قد حافظت على رسائل بولس والكتابات اليوحنوية وربما أيضاً لوقا والأعمال لارتباط هؤلاء الرسل بهذه الأمكنة. هذا العامل قد أسهم أيضاً في المحافظة على كتابات أقلّ أهميّة وحجماً مثل رسالة يهوذا والرسالة الى فيلمون، وحافظت انطاكيا على انجيل متى.

- تطابق محتوى الكتب والايمان القويم: يتعلق مصير قبول كتاب ضمن الكتب المقدّسة بتطابقه أو لا مع الايمان الذي قبلته الكنيسة من الرسل الذين عاينوا وشهدوا.  فانجيل بطرس الذي تكلّمنا سابقاً كان قد قُبل في كنيسة رودوس القرب من انطاكية، وحين أتى الأسقف سيرابيون اسقف انطاكيا عام 190 الى هذه المدينة وجد هذا الانجيل لم يكن قد سمع عنه قبلاً وبعد فحصه اتّضح له أنه من نتاج بدعة الدوسيتية التي تنفي انسانية المسيح الحقّة عندها منع الاسقف قراءة هذا الكتاب في الجماعات الكنسية (اوسيبوس 
HE 6.12-2-6 ) . كما أن رفض ديونيسيوس أسقف الاسكندرية لقانونيّة سفر الرؤيا هو وجود فكرة ملك المسيح لألف سنة ، وخوفه من أن يُفهَم الكتاب وكأنّه يتكلّم عن الألفيّة المسيحانيّة التي تبنّتها الكثير من البدع.

جمع الكتب المقدّسة في كتاب العهد الجديد:
الرسائل: إن الرسائل، وإن كانت الأكثر قدماً، تبقى النوع الأكثر صعوبة للجمع، فالكاتب كان يرسل الرسالة ومن غير المؤكّد أنّه كان يحتفظ لجماعته بنسخة منها، فكيف جُمعت إذا هذه الرسائل في مجموعة واحدة؟  الحلّ الأسهل هو أن الكاتب، أو من هم حوله، كانوا يجمعون الرسائل معاً لما يعنيه لهم شخص الكاتب كرأس لجماعتهم المحلّية.
الطريقة الثانية هي التبادل بالرسائل بين الجماعات، فالكنيسة التي كانت تصلها رسالة كانت ترسلها الى كنائس أخرى مجاورة، أحياناً بطلب من الكاتب نفسه، كما نرى في كول 4، 16.
مما لا شكّ فيه أن الجماعات الكنسية بدأت تجمع رسائل بولس حين بدأ هذا الرسول يكتسب أهميّة كبيرة في هذه الجماعات، وعلماء الكتاب المقدّس ينسبون عملية الجمع هذه الى المدرسة أو الجماعة البولسية التي تكون خطّت أيضاً الرسائل البولسية الثانوية، أو الى تلاميذ مرافقين لبولس مثل أونسيموس (فيل1، 10) أو لطيمتاوس.
الأناجيل: نحن نملك اليوم بين أيدينا أربعة أناجيل كتبت بين 65- 100، إنّما لماذا أربعة اناجيل.  فكلّ المؤّشرات تدلّ الى أن المنطق الرسولي كان منطق الإنجيل الواحد، فبولس في رسالته يحذّر من إنجيل آخر غير الإنجيل الذي أعلنه هو (غل 1، 8-9)، وكاتب إنجيل مرقس يبتدئ بإعلان هذا الإنجيل كإنجيل يسوع المسيح: بَدءُ إنجيل يسوعَ المسيحِ آبنِ الله، دون الإشارة الى إمكانيّة وجود أناجيل أخرى، ومتّى حين استعمل مرقس في إنجيله، أدخل أيضاً مواداً أخرى، مفترضاً ان القارئ عندها لن يكون محتاجاً لقراءة إنجيلين، فإنجيل مرقس يحتويه متّى.  ولوقا يبتدئ إنجيله مشيراً الى أنّ آخرين كتبوا إناجيل أخرى:"لَمَّا أَن أَخذَ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ
يُدَوِّنونَ رِوايةِ الأُمورِ الَّتي تَمَّت عِندنَا،مانَقَلَها إلَينا الَّذينَ كانوا مُنذُ البَدءِ شُهودَ عِيانٍ لِلكَلِمَة، ثُمَّصاروا عامِلينَ لها،رَأَيتُ أَنا أَيضاً، وقَد تقَصَّيتُهاجَميعاً مِن أُصولِها، أَن أَكتُبَها لَكَ مُرَتَّبَةً يا تاوفيلُسُ المُكرَّم لِتَتَيَقَّنَ صِحَّةَ ما تَلَقَّيتَمِن تَعليم" (لو  1، 1-4)، فنستنتج أن لوقا يستعمل ما كُتب سابقاً، مدقّقاً فيه ومرتّباً إياه، ليصبح بالنسبة للقارئ الإنجيل الدقيق.  في الواقع قبل العام 150 لا نجد أي إشارة الى وجود أربعة أناجيل تستعمل معاً في كنيسة محلّية ما.
إستعمال إنجيل واحد كان يهدف الى التأكّد من صحّة البشارة التي تتلقّاها جماعة ما، إنّما لهذه الحصريّة الإنجيليّة أخطار أخرى، منها إمكانيّة إستعمال "الإنجيل الوحيد" لتبرير معتقدات أو طرق عيش غير وفيّة لما أراد المسيح إعلانه.  فاستعمال إنجيل متّى حصرياً في الجماعات من أصل يهودي كان خياراً تفضيلياً لورود: "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ
لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل . الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَحَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَالسَّماءُ والأَرض (مت 5، 17-18)، وبالتالي كانوا يستعملونها في جدالهم ضدّ المسيحيّين من أصل وثني، المستندين الى إنجيل آخر لتبرير عدم إتّباعهم للشريعة اليهوديّة.  وما هو أخطر هو أن البدع المختلفة كان يمكنها الإرتكاز على إنجيل ما دون آخر، لأن الإنجيل المستعمل يبرّر معتقدها الخاطئ كما حصل مع الغنوصيّين الذي حوّروا إنجيل يوحنّا.  لذلك بدأت الكنيسة تعتمد الأناجيل الأربعة.  في هذه الفترة فتّش البعض عن حلول وسط للتوفيق بين منطق الإنجيل الواحد والأناجيل المتعدّدة، فكان دياتسّرون تاتيانوس الذي جمع في نص واحد الإناجيل الأربعة بشكل متواصل، مكمّلاً واحدها بالآخر.  هذا الإنجيل كان شديد الرواج في الكنائس السريانيّة.
وبسبب تعليم مرقيون الهرطوقيّ، أخذت الكنيسة خطوة أخرى في تكوين قانون العهد الجديد، فمرقيون (100-160) مسيحيّ الثقافة ولاهوتي لامع جاء الى روما عام 140 معلّماً أن الخالق الّذي يتكلّم عنه العهد القديم هو ليس الله، إنّما "إله هذا العالم" (2قور 4،4)، وهو ليس الله المحبّ البشر وأب يسوع المسيح.  هذه النظرية كانت نتاج فكرة التحّلي عن الشريعة، ومن أخطار الإعتماد على كتاب واحد.  رفض مرقيون العهد القديم، واختار إنجيلاً واحداً هو إنجيل لوقا (دون الفصلين 1 و3) وعشر رسائل بولسية متخلّياً عن الرسائل الراعويّة.  عندها قرّرت الكنيسة إعتماد، الى جانب العهد القديم، الأناجيل الأربعة وثلاث عشرة رسالة من رسائل بولس وكتاب الأعمال كجزء مكمّل لإنجيل لوقا، كما اعتمدت 1 بط و1يو.  في نهاية القرن الثاني كان العهد الجديد مكوّناً من 20 كتاباً.

المجموعة النهائية:
بين القرنين الثاني والرابع، قُبلت الكتب السبع الباقية وأُدخلت في بعض الكنائس ككتب مقدّسة، وأثرث العلاقة بين الشرق والغرب على اكتمال هذا القانون: فأوريجانوس إنتقل الى روما وتعرّف على الكنيسة التي عرفت بطرس وبولس، أمبروسيوس وأغسطينس تعرّفوا على أعمال أوريجانوس وترجموها، وبواسطته دخلوا في ثقافة كنيسته الكتابية؛ أيرونيمس عاش ردحاً طويلاً في فلسطين وسوريا، وبالتالي فإن الكنيسة الجامعة قد عملت بشكل تلقائي على تكوين ما نسمّيه قانون العهد الجديد.