Text Size
Wednesday, January 17, 2018

الأناجيل

بعد مرحلة الرسائل ظهر نوع آخر من الكتابات المقدّسة لا يخاطب كنيسة معيّنة بشكل مباشر كما هي حال الرسائل البولسية أو الكنيسة بشكل عام لحلّ المشاكل وإعطاء الارشاد اللاهوتي والتطبيقي أو لعرض الحقائق الايمانية بشكل مباشر كما هي حال الرسائل البولسية الثانوية.
بين العام 60 و 70 ظهر الإنجيل الأوّل : إنجيل مرقس.
كلمة إنجيل هي كلمة مشتقّة من اليونانية 
Euaγγeλioν وتعني البشارة الحسنة، وهو عبارة عن مجموعة روايات لأعمال وأقوال يسوع، وهي مواضيع لم تكن الرسائل تحتويها الاّ بشكل عابر وغير واضح.
لم يكن هدف الانجيل كتابة قصّة بشكل تاريخي وموثّق، فالانجيل ليس قصة حياة موثّقة، إنما مجموعة منتقاة من الأحداث التي شهد عليها التلاميذ حين كانوا مع الربّ، وانتقوا منها ما يجيب على تساؤلات جماعتهم الكنسية.  فتشديد مرقس على ضرروة حمل الصليب والألم في سبيل الملكوت كان من ناحية يعكس حالة الكنيسة التي يتجه اليها هذا الانجيل وهي كنيسة تعاني الاضطهاد ، ومن ناحية أخرى كان يهدف الى تقوية المسيحيين المضطهدين في إيمانهم بيسوع المسيح من خلال مضمون الانجيل. بينما نجد أن انجيلَي متى ولوقا يحتويان على مجموعة أوسع من الأعمال والأقوال والأحداث المتعلّقة بيسوع تظهر لنا أن غاية هذين الانجيليين كانت مختلفة عن غاية كاتب انجيل مرقس ، كما تظهر أن الواقع الاجتماعي والسياسي لم يكن هو نفسه واقع مجتمع انجيل مرقس.
إن ما هو مشترك بين الانجيليين الأربعة هو الهدف: إعلان ما إختبره الرسل شخصياً مع يسوع ونقله الى الاجيال القادمة لئلا يختفي مع موت التلاميذ شهود العيان.

كتّاب الاناجيل:
لم يرد اسم الكاتب في أي من الأناجيل الاربعة، انما نعتمد في تسميتنا للاناجيل على تقليد وصلنا في نهاية القرن الثاني تُنسب فيه الأناجيل لمتّى أحد الاثنين عشر، والثاني ليوحنا مرقس مرافق بولس وبطرس، والثالث للوقا مرافق بولس وأخيراً ليوحنا أحد الاثني عشر.
ما يهمنا نحن في هذا الأمر هو أن كتّاب العهد الجديد لم يكونوا غرباء عن يسوع المسيح وإن كلام وحياة يسوع قد نُقلت إلينا عبر الأناجيل بطريقة وفيّة عن يدّ أشخاص امناء واوفياء ليسوع المسيح ولانجيله كما سمعه وعاينه من كانوا شهوداً للكلمة.

أنواع أدبية أخرى : أعمال الرسل ، سفر الرؤيا وعظات

أعمال الرسل:
هو الجزء الثاني من مجموعة ينسبها التقليد الى لوقا تلميذ بولس وبطرس، يكمل الجزء الأوّل (انجيل لوقا) الذي تنتهي احداثه في اوراشليم.  هذا الكتاب ينطلق من أوراشليم الى اليهودية والسامرة وصولاً الى نهاية العالم. في بداية هذا الكتاب نقرأ «ما لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة التي حدّدها الآب بسلطانه ولكن الروح القدس يحلّ عليكم ويهبكم القوّة وتكونون لي شهوداً من أوراشليم واليهودية والسامرة حتى أقاصي الارض ( أع 1،7-8).  لهذا يعلن كتاب الاعمال انتشار انجيل المسيح في العالم كلّه، وينتهي هذا الكتاب بإعلان حقيقة كون الانجيل لا يخصّ اليهود فقط بل الوثنيين أيضاً (أع 28، 28)

سفر الرؤيا:
هو نوع أدبي فريد من نوعه في العهد الجديد انما يجد جذوره في ادب العهد القديم ( حزقيال ودانيال) . هذا النوع الادبي كان حاضراً بقوّة في فكر العهد القديم لغاية أيام الكنيسة الاولى، وهذا نستنتجه من كتابي 2 باروخ و 4 عزرا الذين كتبا بعد دمار هيكل أوراشليم في الوقت الذي كتب فيه سفر رؤيا يوحنا.
لا يمككنا ان نقرأ كتاب الرؤيا بمنهجية قراءة كتب العهد الجديد الأخرى، فهو كتب بطريقة رمزية للإجابة أوّلاً على مشكلة الاضطهاد والشرّ الذي تعانيه الكنيسة والتي تطرح تساؤلات حول قدرة الله في خلاص شعبه كنيسته وقدرته على التاريخ وعلى الشر، عن هذه الاشكاليات يجيب سفر الرؤيا متكلماً عن الاحداث التي تتم في السماوات وعلى الارض، وهذا لا يمكن الكلام عليه إلاّ بلغة رمزية مجازية مبالغ بها.
الموازاة بين السماوات والارض تؤكد أن الله يسيطر على التاريخ البشري، وأن اضطهاد الكنيسة على الارض يعكس صراع الله مع ارواح الشرّ.
جديد سفر الرؤيا هو كونه مؤلفاً من رسائل موجّهة الى كنائس محليّة، ليجيب من جهة على تساؤلات هذه الجماعات ويرشدها في سيرتها العقائدية والتطبيقية، ويذكّر مؤمنيها من جهة أخرى أن عمل الله يمتد الى ما بعد التاريخ الاليم الذي تحياه الكنيسة المضطهدة، ويعطيها الرجاء بالانتصار النهائي.

الرسائل العظات:
نجد ضمن الرسائل قسماً، وإن تمتع بالشكل الخارجي للرسالة فهي ليست رسائل بل هي أقرب الى العظة أو الخطبة التعليمية. ففي حال رسالتي بطرس ويعقوب نجد بعض مميّزات الرسالة، إنما من حيث المضمون فإن رسالة بطرس هي عظة تعليمية أما رسالة يعقوب فهي نوع من الأدب الخطابي الجدلي الذي يبتغي دحض بعض الاخطاء واظهار التعليم الصحيح.  أما الرسالة الى العبرانيين فلا تحوي من ميزات الرسائل إلاّ الخاتمة إنما لا تبتدىء بالسلام الاعتيادي الخاص بالرسائل ولا تحدّد الى من هي موجّهة كما هي حال الرسائل البولسية. نسميها الى العبرانيين لأن محتواها يظهر هذا الاتجاه ، فالنص يخاطب أشخاصاً تخلّوا عن بعض نواحي الايمان المسيحي في سبيل المحافظة على عادات يهوديّة.

أما رسالة يوحنا الأولى فلا تحتوي على أيّ من مميّزات الرسائل: لا السلام الافتتاحي ولا الكاتب ولا الجماعة الموجّهة إليها الرسالة ولا السلام الختامي رغم إنّها تتجه بصيغة المخاطب الى الجماعة (يا أبنائي)، هي ليست عظة مثل رسالة بطرس ولا جدلية خطابية مثل يعقوب، ويميل الشّراح الى القول أنها محاولة تطبيق انجيل يوحنا على واقع جماعة محلية، بعد أن انتقلت الجماعة اليوحنويّة من حالة الخطر من الفصل عن المجمع الى مشكلة مختلفة هي الشقاقات والنزاعات الداخلية.