Text Size
Monday, June 25, 2018

ما هو العهد القديم

1)
إن العهد القديم هو عطيّة من رحمة الله لنا، لخلاص الإنسان.  هدف الله من إعطاءه العهد القديم هو خلاص الإنسان، وليس فقط خلاص الشعب العبراني، شعب الله المختار.  بما أن الإنسان لم يكن قادراً على فهم الحقيقة بكاملها ودفعة واحدة، كان لا بدّ أن يتجسّد المسيح الكلمة ليعلن لنا حقيقة الله.  هذا التجسّد حضّر الله له عبر التاريخ، من خلال العقل البشريّ كما قلنا في الدرس السابق، ومن خلال العهد القديم، ليس ككتب مكتوبة فقط، إنما من خلال دعوته لأشخاص سوف يصبحون آباء لنا في الإيمان، قام الله بعهد معهم ليعلن الخلاص للكون أجمع.

2)
إختار الله، بتدبير منه، شعباً يكون خاصّته، استودعه وعوده الخلاصيّة: اختيار شعب معيّن ليس بسبب أفضليّة شعب على آخر، وليس بسبب قوة هذا الشعب العقليّة أو العسكريّة أو الاقتصادية، بل كان الاختيار بتدبير من حكمة الله.  لذلك اختار الشعب الأضعف في الشرق الأوسط القديم.  لقد كان بمقدور الله أن يختار المصريّين أو الأشوريّين أو الكلدان أو الفرس أو اليونان، فكلّها كانت شعوب أقوى من الشعب الإسرائيليّ من ناحية التقدّم والثقافة والاقتصاد والقوّة العسكريّة.  في العهد الجديد نرى أيضاً يسوع يختار تلاميذه من بين الأضعف في مجتمعهم، لترى الشعوب كلّها قوة الله العاملة في أدواة ضعيفة.

هذا الإختيار ليس تفضيليّ، فشعب الله الذي اختاره، قد اختاره ليحمل إرادة الله الى العالم كلّه.  لقد اختاره الله ليخدم الإنسانيّة كلّها ويعلن لها إرادة الله بأن يخلّص الإنسان.
كما أن هذا الإختيار ليس حصريّاً، فالله لا يريد أن يكون شعب الله المختار هو وحده المخلّص، بل أراد الله أن يخلّص كلّ الكون من خلال إعطاء الحقيقة لهذا الشعب ليعلنها.  لذلك يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إستودعه وعوده الخلاصيّة"، هي وديعة أعطاه إيّاها امانة ليحافظ عليها ويعلنها الى كلّ البشر.  إن خطيئة شعب الله المختار هي دوماً الكبرياء، ظنّه أنّه أحسن من غيره، وأقدس من الشعوب الأخرى، فتعالى عنهم بدل نقل إرادة الله لهم.


3)
فأبرم عهداً مع إبراهيم (تك 15، 18): سوف نرى لاحقاً معنى هذه الدعوة، إنّما علينا أن نفهم أن دعوة إبراهيم كانت بداية تأسيس ما سوف يُدعى شعب الله المختار، فابراهيم أصبح لكلّ إسرائيلي والد في الإيمان، ونحن كمسيحييّن ننظر الى إبراهيم كالشخص الذي قبل إرادة الله بأن يدعو جميع الشعوب الى الإيمان، وهكذا "نسله لا يُحصى له عدّاً" (تك 16، 10) "أجعلك أمّة كبيرة، واسمك يصبح عظيماً" (تك 12، 12)، هذه الأمّة ليست أمّة إسرائيل أو شعب الله المختار، إنّما تتكوّن من كلّ مؤمن بالله، والعامل بمشيئته.  لقد اختار الله لهذه الغاية آراميّاً غريباً، من مدينة أور الكلدانيّين، دعاه لكي يترك كلّ شيء ويتبعه (تك 12، 1)، "للتبارك بك كلّ شعوب الأرض" (تك 12، 3).

ثم أبرم عهداً مع الشعب الإسرائيليّ على يد موسى (خر 24، 8): أخرج الله الشعب من مصر أرض العبوديّة الى أرض الميعاد، الأرض التي أعطاها الله لإبراهيم، ثم كلّمهم الله من خلال موسى، فقالوا: :كلّ ما يقوله الله سوف نفعله (خر 24، 7) أعطى الله الشعب الوصايا (خر 31، 8)، وأقاموا الفصح الأوّل.  هي دعوتهم ليعودوا الى العهد الأوّل، أن يكونوا شعب الله المختار ويعلنوا حقيقة الله لكلّ الشعوب.


4)
وبأقواله وأفعاله كشف ذاته لهذا الشعب المختار، فأعلن أنّه وحده هو الإله الحق، وهو الإله الحيّ":  هدف العهد القديم هو أن يعرف الإنسان حقيقة الله: من هو الله، وما هو الله.
* من هو الله: هو الإله الحق.  الشعوب القديمة كانت تعبد آلهة عدّة: عناصر الطبيعة، الأوثان، بعل وعشتاروت، راع إله الشّمس... "من خلال أقواله وأعماله" التي نجدها في العهد القديم، كشف الله ذاته لشعبه المختار، ومن خلاله لكلّ الأمم، أنّه هو وحده الإله الحقيقي، له وحده تجوز وتنبغي العبادة.  سوف نرى أن خطيئة إسرائيل الكبيرة سوف تكون دائماً "الزنى"، أي خيانة الله (إله العهد الذي خلق الإنسان من تراب، ودعا إبراهيم وجعله أمّة عظيمة، ودعا موسى وأخرج الشعب بواسطته من أرض العبوديّة) وعبادة آلهة الشّعوب الأخرى.
* ما هو الله: هو الإله الحيّ.  هو ليس عنصراً ماديّاً (الشّمس أو المحيط أو النار أو الماء...)، هو ليس قوّة طبيعيّة (العاصفة، البركان، الطوفان...)، وهو ليس مادّة جامدة (الأصنام والتماثيل...)، بل هو إله حيّ، دخل في علاقة مع الشعب، ومن خلاله مع الكون كلّه.  هو إله يدخل في علاقة حبّ ووفاء، ويطلب من شعبه الحبّ والوفاء.  هو ليس إلهاً بعيداً، بل هو الحالّ في وسط جماعته.